النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

جبر.. عاشق الرياضيات والفلك والشعر واللغات

رابط مختصر
العدد 10836 الأحد 9 ديسمبر 2018 الموافق 2 ربيع الآخر 1440

 الذين زاروه في منزله بمدينة الخبر ــ كما فعل أستاذنا المؤرخ محمد عبدالرزاق القشعمي من أجل أن يكتب عنه في كتابه الجميل «أعلام في الظل» (دار الانتشار العربي ـ بيروت ـ 2018) ــ وجدوه إنساناً متواضعاً يحبس نفسه في غرفة علوية من بيته خصصه للآلات والأدوات التي يستخدمها في تحليلاته العلمية حول الأنواء والتغيرات المناخية ورصد الكواكب والنجوم وتتبع السحب واتجاهات الريح مثل: الاسطرلاب والتليسكوبات متعددة الأشكال وغيرها.
ذلكم هو ابن مدينة الخبر، درة مدن المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، عالم الفلك السعودي المرحوم «جبر بن صالح بن جمعة الدوسري» الذي أخبرنا أنّ لوالدته فضلاً كبيرًا عليه لجهة غرامه وعشقه لكل ما يتعلق بالأفلاك والنجوم كونها انشغلت بطريقة عفوية بظهور الأهلــّة ومنازل القمر واتجاهات الرياح وأماكن سقوط المطر.

 

 

كما هو مبين من اسمه الاخير، فإن جبر ينتمي للدواسر الذين نزحوا إلى شرق السعودية في عشرينات القرن الماضي بقيادة شيخهم «أحمد بن عبدالله الدوسري» ومعه الشيخين «عيسى بن أحمد البن سعد الدموخ الدوسري» و«محمد بن راشد العمور الدوسري» قادمين من قرية البديع في البحرين بسبب ضغوطات مورست ضدهم من قبل المعتمد السياسي البريطاني بالبحرين آنذاك الميجور «كلايف كيركباتريك ديلي»، ناهيك عن أحكام جائرة أصدرها الأخير ضد بعض أفراد القبيلة.
اختارت عائلة جبر السكن في بلدة الخبر مفضلة إياها على توأمتها بلدة الدمام، مثلما فعل دواسر كثر، علماً بأن هاتين البلدتين معروفتان بظهورهما ونشوئهما في فترة زمنية متقاربة على يد هؤلاء النازحين من البديع البحرينية، بعدما سمح لهم بذلك الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه.
وعلى حين مارس والده العمل في الغوص والصيد على اللؤلؤ مثلما كان يفعل كل أقرانه في زمن ما قبل اكتشاف النفط وتصديره، كانت والدته بالتعاون مع خالته تستغلان ما تعلمتاه في مدارس البحرين من دروس القرآن والكتابة والحساب في إدارة وتسيير شؤون كتـّاب من الكتاتيب التقليدية المختلطة من تلك المعروفة خليجياً باسم «المطوع» أو «المطوعة»، وذلك داخل بيتهما في فريج الدواسر على شاطئ البحر قريباً من الحي التجاري القديم بشارع الملك سعود.

 


في مثل هذه الأجواء البسيطة، والزمن المفعم بالحب والتواصل والتآزر.. وما بين بحر إلى الشرق ينشر على الخبر نسائم هوائه المشبعة برطوبة مياه البحر الخانقة، وصحراء إلى الغرب ينفذ عليها لهيبه وحبيبات رماله الناعمة، نشأ جبر وترعرع، وهو لا يدري ما سوف تخبئه له الأقدار من مفاجآت. وقتها كان جبر يوزع أوقاته ما بين الدراسة البدائية في كتاب والدته وخالته تارة، ومزاولة الألعاب الشعبية في الحواري مع الصبية من أقرانه تارة ثانية، وقراءة كتب الاطفال «التي نقلته الى قراءة السير الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وتغريبة بني هلال وألف ليلة وليلة ومجنون ليلى، ثم روايات الهلال، فمؤلفات مصطفى صادق الرافعي ومصطفى لطفي المنفلوطي» تارة ثالثة، ومرافقة والده وأعمامه في ذهابهم إلى البحر للصيد والغطس بأدواتهم البدائية التقليدية المنهكة تارة رابعة، حيث تعلم جبر وهو في سن صغيرة السباحة والعوم، بل حاول ذات مرة بمساعدة من والده أنْ يقوم بما يقوم به «الغيص» عادة من البقاء تحت الماء لأطول مدة ممكنة دون أسطوانات الأوكسجين التي لم تكن معروفة آنذاك كما أخبرنا الأستاذ القشعمي في كتابه (ص 54)، فيما تقمص والده دور «السيب» أي الشخص الذي يسحب الغيص من قاع البحر بواسطة الحبال.
يُعزي جبر الكثير لجهة تفتح ذهنه واكتسابه الثقافة العامة في تلك السن المبكرة لخاله الذي كان يهتم باقتناء شتى أنواع الكتب العربية من المكتبات المحلية أو يحضرها من مكتبات البحرين. أما تعرفه على أعلام الأدب والفكر الغربي ممن قرأ رواياتهم وأشعارهم ومؤلفاتهم من أمثال وليم شكسبير، وجون كيتس، وجورج بايرون، والشاعر الأمريكي إدغار ألن بو، فيدين بها إلى مدارس شركة أرامكو التي علمته الإنجليزية ابتداء.

 


التحق جبر بأول مدرسة حكومية ابتدائية تمّ افتتاحها في الخبر في أربعينات القرن العشرين (وهي مدرسة الخبر الأولى التي لا تزال قائمة إلى اليوم في زاوية تطل على شارع الملك خالد من جهة وشارع التقاطع 13 من جهة أخرى). في هذه المدرسة اكتشف الممتحنون أنهم أمام طفل متفوق فوضعوه رأساً في الصف الثاني، ولاحقاً نقلوه إلى الصف الثالث بعد أن اكتشفوا إجادته لمواد الصف الثاني. وخلال تواجده في هذه المدرسة حافظ على الترتيب الأول على الدوام، ولم يستطع أحد من أقرانه تجاوزه.
أنهى جبر المرحلة الابتدائية بتفوق كعادته، لكنه لم يجد فرصة لإكمال مراحل ما بعد الابتدائية لأن الخــُبر لم تكن بها آنذاك مدارس متوسطة أو ثانوية. كان البعض في هذه الحقبة يذهب إلى الأحساء على بعد نحو 150 كيلومترا تقريباً من الخبر لاستكمال تعليمه في مدراس الهفوف المتوسطة والثانوية، إلا أن جبر وجد في نفسه ميلا لدراسة العلوم اللاسلكية فانضم إلى إحدى مدارسها الليلية الحكومية. لكن بمجرد أنْ علم بوجود مدارس صيفية تابعة لشركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) لتدريس السعوديين الراغبين دروس اللغة الانجليزية، هجر مدرسة اللاسلكي والتحق بصفوف أرامكو ليبدأ مشواراً حافلاً مع هذه الشركة النفطية العملاقة كما سيأتي تفصيله.

 


 شركة أرامكو كانت لها مناهجها التعليمية الخاصة باللغة الإنجليزية المعادلة لشهادة الثانوية العامة، كما كانت أيضا تدرب السعوديين الملتحقين على بعض الأعمال ذات الصلة بأنشطة الشركة وأعمالها المكتبية والميدانية.
لقد كان اختيار جبر اختيارًا موفقاً بزّ به أقرانه. فبعد سنوات قليلة من الدراسة المكثفة، التي أظهر فيها الرجل اجتهاداً وجدية وتفوقاً استثنائياً، ابتعثته أرامكو إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على بكالوريوس المحاسبة من جامعة يونغستاون بولاية أوهايوYoungstown University، Ohio State التي تخرج منها بدرجة الامتياز سنة 1973. وخلال سنوات دراسته هذه عمل جبر ما يفعله المبدعون الكبار، فأشبع وصقل شغفه بعلم الفلك من خلال الانتساب والانتظام في معهد فلكي خاص بعد أن استدل عليه من أحد أساتذته في جامعة يونغستاون.
بعد عودته من رحلته الجامعية عينته شركة أرامكو في وظيفة الرئيس العام لمطبوعات الشركة بمقرها الرئيسي بالظهران. ونظراً لتفانيه واجتهاده في هذا المنصب، ناهيك عن حصوله على درجة مائة بالمائة خلال السنوات الأربع التي درسها في يونغستاون ــ لدرجة أن اسمه ســُجل ضمن قائمة الطلبة المتميزين في جامعة هوزهو الأمريكية ــ ابتعثته أرامكو مجدداً إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجة الماجستير، فنالها أيضًا بامتياز في تخصص إدارة الاعمال من جامعة سياتل بولاية واشنطون شمال غرب الولايات المتحدة، بل حاز أيضا على جائزة أفضل طالب مبتعث طيلة سنوات دراسته.

 


بعيداً عن تخصصه الأكاديمي في المحاسبة وإدارة الأعمال، وبعيداً عن تعلقه بالفلك كهواية مرتبطة بعشقه للرياضيات منذ سنواته المبكرة، نجد أن جبر لم يكن قارئاً نهماً فحسب وإنما كان صاحب مواهب كثيرة أخرى مثله مثل النخب العلمية في الزمن القديم من الذين طال شغفهم كل شيء حولهم فخاضوا غمار كل المجالات بشجاعة.
فقد اهتم مثلاً باللغات، بدليل أنه بعدما فرغ من امتلاك ناصية لغته الأم (العربية)، وناصية لغة العصر والأعمال (الانجليزية)، مدَّ بصره نحو لغة الرومانسية والجمال متمثلة في اللغة الفارسية.. لغة عمر الخيام وشمس الدين حافظ الشيرازي وشاعر التصوف سعدي الشيرازي. ولسبب ما، أضاف إلى اللغات الثلاث آنفة الذكر لغة «التقالوق» وهي اللغة الرسمية المعتمدة في جمهورية الفلبين. ثم أضاف إليها اللغة الإندونيسية التي لا يجيدها سوى القلة من العرب اذا ما إستثنينا سكان أندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وسلطنة بروناي وتيمور الشرقية من ذوي الأصول العربية الحضرمية.
إضافة إلى اهتمامه باللغات كهواية من الهوايات الجميلة التي تُحصّن المرء اذا ما كان من عشاق السفر، وتزيده علما بثقافات حضارات الأمم والأقوام، فإن جبر خاض تجربة الشعر. ففي الصفحة 55 من كتاب القشعمي (مصدر سابق) كتب عنه الأخير ما يلي: «وقد كتب قصائد كثيرة متعددة الأغراض في الحب والوصف والغزل، كما كتب الشعر الشعبي والزهيريات،

 

 

وشارك في بعض الأمسيات الشعرية في الأندية الأدبية وغيرها، كما اهتم بالألحان وبعلم المقامات العربية والنغمات». علماً بأن قصته مع الشعر بدأت في سن السابعة حينما سمع ذات مرة إحدى العرضات فحاول تقليدها في البيت بصوت عال، الأمر الذي جعل والدته تنهره، لكنه في سن العاشرة نظم قصيدة مقفاة سليمة الأوزان دفعها إلى أحد مدرسيه الذي صحح بعض أخطائها النحوية وشجعه على الاستمرار وتجنب الأخطاء من خلال قراءة كتب النحو، ففعل. ويمكن أن نضيف في هذا السياق أنّ جبر تعلم وأجاد عزف آلتي العود والكمان، فأضاف إلى مواهبه ما لا يملكه سوى الشعراء والفنانين من ذوي الإحساس المرهف.
وما بين هذا وذاك واصل جبر اهتمامه بالفلك، ولاسيما الجانب التحليلي والرياضي منه، فبرع في هذا كثيراً بدليل حصوله على عضوية الجمعية الفلكية الملكية بكندا وعضوية جمعية أصدقاء الكواكب بالولايات المتحدة الأمريكية. كما إتجه للكتابة في الصحافة المحلية عبر زاوية أسبوعية في جريدة اليوم الصادرة من الدمام، وقد اختار لزاويته اسم «مشارق» انسجاماً مع تخصصه الفلكي وإشارة إلى شروق الأجرام السماوية.
انتقل جبر إلى جوار ربه في الأول من أكتوبر عام 2008 الذي صادف أول أيام عيد الفطر لسنة 1429 للهجرة. وكانت وفاته رحمه الله في نفس الحي الذي أبصر فيه النور سنة 1938 الموافق لسنة 1257 للهجرة وذلك في أعقاب إصابته بنوبة قلبية مفاجأة، فصُلي عليه عصر ذات اليوم بمسجد النور بالخبر، وري جثمانه الطاهر هناك وسط حشد كبير من الحضور من مختلف أطياف المجتمع. وهكذا رحل الرجل الذي ظل على مدى أكثر من ثلاثة عقود مصدراً يـُعتمد عليه في الأخبار والتقارير الخاصة بالأحوال الجوية والظواهر الفلكية في الصحافة السعودية، حتى راح الناس يرددون في أحاديثهم إذا ما تجادلوا حول الطقس، عبارة «قال جبر الدوسري..».
ومما قاله في حوار مطول مع صحيفة «الجزيرة السعودية» (5/‏7/‏1421 للهجرة): «اهتممت بعلم الفلك في سن مبكرة من حياتي.. ومن الظواهر الفلكية التي اهتممت بها أكثر من غيرها منازل القمر، ومواقع النجوم وأبعادها، والغروب والشروق، والخسوف والخسوف.. الخ الخ. واستخدمت عمليات حسابية خاصة بذلك، بالإضافة إلى استخدام آلة قابلة للبرمجة. فأنا أحب علم الرياضيات منذ الصغر، ومعروف أن الجانب الحسابي لا غنى عنه للفلكيين ومن يبحثون في هذا المجال».
وأضاف قائلاً: «الأوائل من الناس كانت لديهم ثقافة فلكية أكبر بكثير مما هو موجود عند أمثالهم من الناس الحاليين. كما أن من اهتماماتي المبكرة في علم الفلك استماعي لبرنامج خاص بالفلك كانت تبثه إذاعة البحرين منذ ما يقارب ثلاثين عاماً وكان يقدمه رجل فارس سباق جوكي اسمه حسن الرويعي، وهو شاعر حسن الصوت، جيد الإلقاء، وكان يلقي من خلال برنامجه أشعاراً في الفلك لراشد الخلاوي (شاعر نجدي كبير عاش في أوائل القرن الحادي عشرالهجري) ولغيره من الشعراء الذين تحدثوا عن الفلك».
وحينما سأله الصحفي المحاور عن المذنبات، خاصة مذنب هالي، التي أتى أبوتمام على ذكره في بيته:
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة
إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
 كان رد جبر هو الآتي (بتصرف): «بالنسبة لبيت أبي تمام فإنه قاله ضمن قصيدة طويلة يمدح بها الخليفة المعتصم عندما فتح عمورية، وقد وافق وقت هذا الفتح ظهور مذنب هالي في تلك الفترة من الزمن، وكانت الأمم غير العربية، على العكس من العرب، يتشاءمون كثيراً بظهور المذنبات لاعتقادهم بأنه يعقب ظهورها حدوث كوارث وأوبئة وما شابه ذلك. وهذه النزعة التشاؤمية لا زالت موجودة حتى الآن في المجتمعات المتقدمة وكان آخرها قبل سنتين تقريباً حين ظهر المذنب المعروف باسم (هيل بوب) حيث ربطوا ظهوره بحدوث كوارث كونية مما أدى ببعضهم إلى الانتحار».
وفي رده على سؤال حول إتهام الفلكيين بالتنجيم فنـّـد جبر ذلك بقوله: «الفلك لا علاقة له بالتنجيم.. علم الفلك هو رصد ومراقبة وحساب وتفكر في خلق الله وفي الكون الفسيح الذي خلقه الله، وليس هناك فلكي واحد يعتقد بممارسات المنجمين الذين تقتصر صلتهم بعلم الفلك بمجموعات البروج التي تنزلها الشمس، وهذه البروج تشكيلات من النجوم تخيلها القدامى من الناس في أشكال وهيئات الحيوانات والأشجار نظرا لأن البيئة التي كانوا يعيشون فيها كانت بيئة زراعية خاصة في حضارة بلاد ما بين النهرين، ولذلك سموا البروج تبعاً لذلك من واقع بيئتهم (العقرب، الدلو، الأسد، الثور، الجدي.. الخ الخ)».
وأخيراً ــ وهذا ما قد لا يعرفه الكثيرون باستثناء أبناء الخبر ــ أن الراحل هو الشقيق الأكبر للأستاذ عبدالله صالح جمعة ثاني رؤساء شركة أرامكو السعودية العملاقة، وكبير إدارييها التنفيذيين من المواطنين، والذي شغل هذا المنصب الرفيع من عام 1995 ولغاية 2008 بعد المهندس علي بن ابراهيم النعيمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا