النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10841 الجمعة 14 ديسمبر 2018 الموافق 7 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

شعب عظيم في يوم تاريخي

رابط مختصر
العدد 10835 السبت 8 ديسمبر 2018 الموافق 30 ربيع الأول 1440

من المفترض أن تكون الجمعيات السياسية هي التي تقود التغيير، كما هو في الغرب، لكن بالنسبة لنا على الأقل في المرحلة الراهنة أصبحت الجماهير هي التي تقود الجمعيات السياسية، وتصحح أخطاءها. هذا ما حدث في الانتخابات الأخيرة، حين اختلفت وجهة نظر الجماهير عن بعض هذه الجمعيات. وهذا يحدث كثيرًا في مجتمعات العالم الثالث، فالواقع يتحرك بسرعة فائقة تلتبس فيها الثوابت الفكرية، والديماغوجية تكرس -من جانب آخر- التفكير النظري الآلي. هذا ما أوضحه المفكر حسين مروة مؤخرًا، كما أوردته في مقال سابق الذي أكد فيه بعد خبرة سياسية طويلة أن سياسات الأحزاب العربية لم تكن واقعية في قراءتها للواقع الذي يفرض قوانينه الموضوعية، النتيجة هي انفصال هذه القوى السياسية عن سيرورة الواقع وتحولاته، ذلك الذي تفهمه الجماهير بعفويتها وواقعيتها.
هناك فجوة لا تراها النخب السياسية، أو خلل ما يفرق بينها وبين الجماهير. فالقمة تعتقد أنها الطليعة التي تفهم ما لا تفهمه الجماهير، أليست هذه الجماهير أقل وعيا منها؟ أليست هذه الجماهير تنتمي الى العالم الثالث محدود الوعي والثقافة؟ وأليست هذه النخبة هي المتخصصة في السياسة فكرًا وممارسة؟ هذه الكيفية في التفكير تقودها الى الاستخفاف بوجهة نظر الرأي العام، الذي يتكون معظمه من عموم أفراد المجتمع، لكن لا تختار الأحزاب والنخب دائما الخيار الصحيح، فقد يخونها التحليل الذي يسترسل ويغرق في (الوعي النظري) وبالتالي فهي تأخذ القرار الخاطئ، حتى تصحح لها الجماهير ما فرطت وأخطأت فيه.
نعم هي مشكلة كبيرة إذا كانت الجماهير تفكر وتمارس حياتها السياسية وتختار بطريقة أفضل من الأحزاب والنخب. المشهد متكرر وسائد في الخريطة السياسية في الوطن العربي، فالأحزاب السياسية المصرية -على سبيل المثال- كان حظها باهتًا وهزيلاً مع صناديق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة، والأحزاب السياسية في العراق فرطت في ثقة الجماهير تحت التأثير الديماغوجي للمذهب، فجرت البلاد الى الحضيض والدرك الأسفل. والأحزاب السياسية التقليدية في الغرب يتقلص نفوذها -الآن- لصالح اليمين أو اليسار المتطرف، وأحد أسباب هذا الانحسار هي عدم استشعار الأحزاب التقليدية من يمين ويسار لنبض الشارع وتحولات المجتمع السياسية والاقتصادية.
وها هي حصيلة الانتخابات الأخيرة في بلادنا تؤكد ما ذهبنا إليه، فجمعياتنا السياسية فقدت ثقة الجماهير بسبب تخبطاتها وأخطائها التي عرقلت مسيرة الإصلاح والديمقراطية، أي عرقلت تقدم المجتمع وأدخلته في مشاكل تستنفذ كل طاقته وتفسد اقتصاده وتسلبه أمنه واستقراره. لذا لم تلتفت الجماهير لنداء المقاطعة لأنها وعت الى نفسها واستدركت أخطاءها، فيما لم تستدرك بعض القوى السياسية هذا الخطأ الذي أعتبره فادحًا. كما أظهرت هذه الجماهير وعيًا متطورًا في هذه الانتخابات، حين عزلت قوى سياسية أخرى خيبت ظنها.
ومن بين 15 مرشحًا يمثلون سبع جمعيات سياسية لم ينجح إلا اثنان، جريدة «الأيام» عدد الاثنين الماضي في تاريخ 25/‏11/‏2018، وكان نصيب المرشحين المستقلين متفوقًا عليها، كما أسفرت الجولة الأولى عن سقوط جميع مرشحي الجمعيات السياسية في المحرق، جريدة «الأيام» في نفس العدد. قبل هذا السقوط، كان هناك سقوط سابق أقل ضجيجًا، لجمعيات سياسية لم تتفهم المشروع الإصلاحي جيدًا فقاطعت الانتخابات، ولم تستطع الاستفادة من هذا المشروع الديمقراطي الرائد، بصفته مرحلة أولى تضع الأساس لتبني عليه ما يليه مع الوقت والخبرة، فهكذا بدأت كل الديمقراطيات العريقة في الغرب، احتاجت الثورة الفرنسية ما يقارب ثمانين عامًا لتستقر ديمقراطيًا. الثورة البلشفية في روسيا احتاجت الى ما يقارب هذا الزمن لتصل الى ميناء الديمقراطية.
وكان على جمعياتنا السياسية أن تساهم بتكريس هذا المشروع الإصلاحي، لتنمو الديمقراطية نموًا مطردًا، لكن هادئا بعيدا عن الهزات السياسية العنيفة، التي تضعف وقد تدمر الديمقراطية وتنسفها من الأساس، كما حدث في الانقلابات العسكرية في مصر وسوريا والعراق. بدأ خطأ الجمعيات السياسية الفادح عندما أعطت ظهرها للانتخابات. وكان على الدولة والمجتمح أن يضعا خيار الأمن كأولوية، ما أعاد الديمقراطية الى الوراء.
كان خوفنا على الانتخابات الأخيرة كبيرًا، فالمجتمع يعيش تحت ضنك الضرائب وهناك تذمر شعبي واسع منها، وهناك ما هو أسوأ، فالبرلمان السابق أعطى المجتمع (الجديد على الديمقراطية)، صورة خاطئة عنها، والجمعيات المضادة تروج وتضخم السلبيات، وتعيد نفس الخطأ السابق، وكانت خشيتنا (تحت معاول اليأس) أن يأخذ المجتمع موقفًا سلبيًا من الانتخابات، وأن تضيع البوصلة عند الجماهير بين هذه العواصف والأنواء، كما ضاعت بوصلة بعض الأحزاب السياسية مرتين، لكن الجماهير كان موقفها أكثر من رائع، فسجلت أعلى مشاركة في الانتخابات في تاريخ البحرين.
الجماهير أنقذت الديمقراطية عن الهبوط، ربما في الحضيض، لذا فهو يوم تاريخي مجيد سطّره شعب عظيم. الجماهير الواعية أدركت أن الخلل ليس في الديمقراطية بل في محيطها الاجتماعي والسياسي، ومن المعروف والثابت أن الديمقراطية تقوى بقوة البرلمان، والبرلمان القوي بيد الناخب فهو الذي يختار، وقد أخطأت الجماهير في إختيارها للبرلمان السابق. وهي الآن -بعد تجربة الانتخابات السابقة- أصبحت أكثر وعيًا.
أدركت الجماهير أنها ارتكبت خطأ فادحًا، حين اختارت في الانتخابات السابقة عناصر لا تنحاز مع المجتمع، ولا تفعل ما في صالحه. لقد كان ما حدث في الانتخابات الأخيرة مباغتا للجميع. لم يخلط الشعب بين ظروفه المعيشية الصعبة والمشروع الإصلاحي، كما لم ينسب فشل البرلمان الى المشروع الإصلاحي، رغم أن هذا الشعب الكريم جديد على الديمقراطية، ولا يملك الخبرة الكافية بها. بهذه النتائج الباهرة في الانتخابات الأخيرة، نستطيع أن نستبشر بالقادم من الأيام، وأن نتوقع نجاحات ديمقراطية قادمة على كل المستويات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا