النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الفنون ليست «جنون».. ولكنها حضارة ورقي

رابط مختصر
العدد 10835 السبت 8 ديسمبر 2018 الموافق 30 ربيع الأول 1440

يقول الإمام الغزالي: «من لم يحرّكه الربيع بوروده وأزهاره وريحانه.. والعود بأوتاره وألحانه، فإنه فاسد المزاج ليس له علاج». فها هو الإمام الجليل يحث فينا الإحساس بالربيع والعود، فمن لا يتذوق معاني الربيع فهو لا يستحق أن يكون إنسيًّا، ومن لم يستشعر ما تخلقه أوتار العود من أنغام جميلة على مسامعنا فهو أيضًا لا يستحق أن يكون إنسيًّا. فالجمال إحساس نحن نخلقه بدواخلنا، وهذا الإحساس يولد معنا وينمو حتى الكبر، فمن شبّ على تذوق الجمال عاش إنسانًا سعيدًا بل وسويًّا؛ لأن الجمال جزء مهم جدًا من السعادة، وبالتالي من تربّى على فساد الذوق أو تذوق الفن والجمال، فهو مجرد إنسان ولن يشعر بالسعادة مطلقًا، بل شعوره الدائم بالتعاسة والشقاء سيتغلب عليه ويجعله حزينًا طوال عمره.
 ليس هذا فقط، فالتعيس أو الإنسان الذي يعيش طوال عمره في شقاء لن ينجح في حياته الدراسية والمهنية، وحتى لا أبالغ فهو لن ينجح في أغلب الأحيان في حياته الزوجية؛ لأنه في حالته هذه سيكون إحساسه بكل شيء ناقصًا ومترديًا، وسيكون إنسانًا عصبيًّا يخرج عن شعوره لأتفه الأسباب. ولكن، وربما كلمة «لكن» هنا مفيدة بعكس بقيّة مواضعها إذ تأتي في آخر الجملة التي تبدأ بشيء حسن، وإنما موقعها هنا حسن فعلاً؛ لأن الإنسان الذي يتذوق الفن والموسيقى والجمال والخضرة ويسعى إلى نمائها فهو سيحقق أحلامه كافة.
 لا أقول هذا ردًّا على تدهور الذوق العام أو سلوك البشر ليصبح ظاهرة مؤسفة، وإنما للحديث عن أهمية تنمية التذوق العام للفنون داخل نفوسنا وأطفالنا، حتى لا يكون تردي الذوق العام ظاهرة نئن منها، فالويل كل الويل لمجتمع فسد ذوقه وأصبح سمته الاجتماعية، ولنا في الشعوب الأوروبية لنموذج رائع في تذوق الفنون والموسيقى وحب القراءة، فهناك سلوكيات سوية إلا ما ندر وشذ عن القاعدة، فالأغلبية الساحقة تجدها نظيفة، مرتبة، صافية الذهن، لا يبخلون الفنان حقه، وتجد استهلاكهم للزهور مرتفعا للغاية، فشراء الورد مسلك طبيعي هناك وليس استثناءً يرتبط بمناسبة أو عيد ميلاد أو زيارة مريض.
 وعلى سبيل المثال، توجد موسيقى شرقية وموسيقى غربية وموسيقية أفريقية وجاز وأنواع أخرى كثيرة، حتى داخل كل فئة من الفئات المذكورة توجد موسيقى فرعية، فلدينا مثلاً موسيقى خاصة بأهل البحرين يشتهرون بها، وكذلك بقية دول الخليج ومصر والشام والمغرب العربي. وهكذا تتعدد وتتنوع الموسيقى الغربية والأمريكية، فأمريكا الشمالية لديها الجاز والكانتري وخلافه، في حين تشتهر موسيقى أمريكا اللاتينية بنغمات مختلفة منها على سبيل المثال موسيقى التانجو التي اشتهرت برقصتها. وكما تحدثنا عن الموسيقى هناك فثمة أنواع مختلفة من الأغاني، فمنها الشعبية والقديمة والحديثة، والمجتمع الأكثر رقيًّا وتحضّرًا لا يتخلى عن موسيقاه وتراثه الغنائي والفني، بل يطوّره كما تطوّرت الآلة الموسيقية ذاتها. ولهذا، ترتقي أذواق الشعوب أو تذوقها الفني من خلال الفنون التي تعايشها والتي تعبر عنها وهي تؤثر فيها وتقودها في الوقت نفسه؛ لأننا نعلم الشعوب والمجتمعات بفنونها المختلفة من موسيقى وسينما وإذاعة وتلفزيون وأدب سواء مسرحًا أو كتبًا وخلافه، فالغريب على أي مجتمع بإمكانه تمييز هذا المجتمع الجديد عليه بما يجد عليه سكانه، هل يتذوقون الفنون المختلفة، هل يقرأون، ما الذي يميز عالمهم الأدبي.
 ولهذا نقول إن التذوق الفني هو إحساسنا بالجمال والمتعة والراحة النفسية ونبذ الهموم والقدرة على مقاومة الأمراض البدنية والنفسية، وينعكس هذا الإحساس على سلوكياتنا وتصرفاتنا كافة لتكون جميلة ومؤثرة في الغير وكل من حولنا، فهو بالتأكيد سيتأثر بها ولا يتخلى عن أن تكون تلك هي سلوكياته. وهذا الإحساس بالجمال يضاعف سعادتنا، ويا حبذا لو كان الإحساس متولدًا فينا منذ نعومة أظافرنا، ولهذا ندعو الأجيال الجديدة إلى الاهتمام بأطفالها وغرس الشعور بالجمال فيها حتى تنمو وهي تشعر بالسعادة.
 ولعلنا نتفق الآن في أن الفنون تشعرنا بالسعادة، وممارسة الفنون ذاتها منذ الصغر تسهم في تنمية مواهب الطفل لتوسع خياله وكل ما يكتسبه من مهارات وخبرات، فالفنون تلعب دورا كبيرا في صقل معارف الإنسان وتهذيب الذوق العام؛ لأن الجمال هو منبع الفنون، وإذا أقبلنا على الجمال وتعايشنا معه كانت النتيجة الفعلية لهذا هو سمو الروح. وكذلك يذكي الفن شعورنا بالجمال ويكسبنا القدرة على تحسس مواطنه في العوالم المحيطة بنا، فنتذوقها جديا. ويكسبنا هذا الشعور أيضا ميزة مهمة، هي القدرة على التمييز بين الجمال والقبح، النافع والضار، فنختار الأصلح لنا ولمجتمعاتنا لنرسخ القيم النبيلة والمبادئ السامية التي يرتقي الإنسان بها ليسمو عن كل ما هو دنيء ودنس وطالح وفاسد، ولنتذكر ما بدأنا به من مقولة الإمام الغزالي.
 ولعلنا ندرك أيضًا أن الفنون بأنواعها كافة -أدبًا وموسيقى وغناءً ومسرحًا وسينما وثقافة عامة- تلعب دورًا كبيرًا في تحقيق التوازن النفسي للإنسان، وأن تذوقها يزيح عنه الأعباء اليومية للحياة، وعلى ضفاف تلك الفنون تتحطم أمواج عبء الغضب فتلين النفس وتسترد هدوءها وسكينتها، فهذه نتيجة مؤكدة لكل من يمارس ويستمتع بالفنون. ليس هذا فقط، فالإحساس بالفنون ومواطن الجمال يجعل الفرد إنسانًا منتجًا في مجتمعه المحيط به ويجعله أكثر حفاظًا على مكتساب هذا المجتمع من بيئة وخضرة ونظافة. ولمَ لا؟ فالارتقاء بالذوق العام والسلوكيات المرعية أمر يبعث على تنمية الحس الجمالي للبشر؛ لأن رسالة الفنون نبيلة تدعو إلى التآلف والتآخي وحب الخير والعمل به، فالفنون عابرة للأوطان والجنسيات.
 وإذا كانت الفنون الراقية تبعث على الإحساس بالجمال والسعادة، فالفنون الهابطة تشعرنا بالغثيان واليأس، ولا أريد التركيز هنا على كل تلك الأنواع من الأغاني الهابطة التي هبطت على بعض المجتمعات العربية، فهي تحطّ من رقي الإنسان وتنحدر به الى أدنى المراتب، وتمثل تعديًا سافرًا على رسالة الفن النبيلة.. وهنا اختلف مع من قال: «الفنون جنون»، بل الصواب إنها حضارة ورقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا