النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10846 الأربعاء 19 ديسمبر 2018 الموافق 12 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

شعب الهندوراس والمسيرة الكبرى

رابط مختصر
العدد 10819 الخميس 22 نوفمبر 2018 الموافق 14 ربيع الأول 1440

قبل اكثر من ثمانين عاما وصل الجيش الاحمر الصيني للعمال والفلاحين تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني الى مقصده في مقاطعة شنشي شمال البلاد، بعد مسيرة قطع خلالها 12500 كيلومتر بدأت من اكتوبر 1934 حتى اكتوبر عام 1936، فاصبحت هذه المسيرة تعرف فيما بعد باسم «المسيرة الكبرى».
فاذا ما كانت مسيرة الصينيين الاسطورية مسيرة داخلية في نطاق حدودهم، فإن مسيرة شعب الهندوراس في امريكا الوسطى مسيرة تجاوزت نطاقها الداخلي باختراق حدود الدولة المجاورة المكسيك في اتجاه حدود الولايات المتحدة الامريكية. وتعتبر تلك الظاهرة المتميزة من المسيرات السياسية والشعبية النادرة، حيث يقرر جزء كبير من الشعب ترك بلاده تماما، كنوع من الضغط السياسي والاحتجاج الشعبي على النظام العسكري الفاسد والعنيف، بهدف احراج تلك العلاقة الخبيثة والمتينة بين واشنطن وهندوراس، ولتصبح امام الرأي العالمي، العلاقة بين البلدين علاقة مشبوهة بالصمت والتواطؤ بين الدولتين، حيال معالجة ظاهرة الفقر والبؤس والعنف والفساد المستشري، دون ان تعمل حكومة ترامب ـ وما سبقها من حكومات أمريكية ـ باتخاذ أية خطوة سياسية ايجابية ضاغطة في اتجاه هذا البلد ذي التسعة ملايين انسان، يعيش اكثر من نصف السكان تحت خط الفقر وفق احصائية البنك الدولي لعام 2010، فيما بلغت الى 66% عام 2016، في وقت تستنزف ميزانيته المتواضعة على المؤسسات العسكرية والامنية في ظل مليون ونصف عاطل عن العمل، مما يعمق حدة التناقض الاجتماعي بين الفقراء في البلاد مع حفنة قليلة في سدة الحكم من العسكر والجماعات الطفيلية المتنفذة بخلاف جارتهم كوستاريكا، التي الغت مؤسسة الجيش وخصصت ميزانيته للتعليم والخدمات الاخرى، والاكثر من ذلك، وبسبب الفقر والبؤس وضنك العيش والفساد المالي والاداري، لم يعد المواطن الهندوراسي يضمن حياته هو وعائلته واملاكه وحاجياته البسيطة، فسقف الجريمة العالي والقتل، باتت تلازم حياة المجتمع في هندوراس، وتدفع بعالم البطالة والفقر المتفاقم نحو مزيد من الجريمة والعنف.
في ظل غياب القانون ودولة فاسدة، عاجزة، تغذي الجماعات الاجرامية كل يوم بشراكتها المعلنة والسرية، فإن العيش في وطن من ذلك النمط لم يعد ممكنا، حيث يتجرع الهندوراسي القهر اليومي والحرمان المعيشي والامتهان المستمر لكرامته ومعيشته. تلك المسيرة الشعبية الكبرى ما هي إلا ترجمة سياسية لمسيرة الفقراء والمحرومين في هندوراس، وهي تعبير عن الخلاص المسيحي اللاهوتي بين بؤساء هندوراس وكنائسهم الصامتة، والذين اصبحت حياتهم بين حد الموت والحرمان والمجاعة والشفقة، هذا التعبير الاحتجاجي السلمي لمجتمع مدني مهمش وعاجز في الدفاع عن ذاته، بوسائل كانت في السبعينات تحسم بحروب ومواجهات مسلحة وحرب غوار في الغابات الاستوائية الكثيفة. اليوم لم تعد تلك الاساليب نهجا ناجعا وممكنا، فقد انتهت آخر تجربة في غابات كولومبيا، بعقد اتفاقية سلام بين الاطراف المتنازعة، بعد اطول حرب عصابات مسلحة عرفها التاريخ المعاصر.
قررت جماهير هندوراسية في 13 اكتوبر مدينة سان بدرو سولا الهروب من محنة الفقر المدقع والعنف، وقد قطع (المهاجرون) في مسيرتهم الاولى عشرات الكيلومترات مشيا، وبعد مشاق التعب والامراض وصل قرابة الفي مهاجر الى مدينة كيريتارو في وسط المكسيك في طريقهم الى الولايات المتحدة، وقد استضافتهم السلطات المحلية في الممرات الخارجية من ملعب كوريخيدورا لكرة القدم دون السماح لهم بالوصول الى المدرجات ولا الى ارض الملعب.
وتواصلت المسيرة على شكل مجموعات متدفقة تم حشرهم في امكنة وظروف قاسية. وتوقعت السلطات المكسيكية وصول دفعة جديدة تضم الف وثلاثمائة مهاجر الى قلب العاصمة، فوضعت ادارة مترو مكسيكو لهم خمس عربات قطار في خدمة المهاجرين بشكل خاص، وقد نقلت كل قاطرة الف مهاجر برفقة آلاف من عناصر الشرطة حتى حدود ولاية مكسيكو، ثم اكملوا طريقهم سيرا على الاقدام حتى مدينة كيريتارو.
وبذلك تكون المسيرة منذ أن غادرت مدينة سان بدرو سولا في 13 اكتوبر، والتي اجتازت اكثر من 1500 كيلو متر. بهدف استكمال المسيرة الكبرى حتى «نعيم الكرينغو» غير ان السلطات الامريكية حذرتهم بأنها ستحشرهم جميعا خلف الاسلاك الشائكة حتى إشعار آخر. وبذلك يصبح شعب الهندوراس مجرد خراف بشرية حشروا بين سندان بلادهم ومطرقة الاسلاك القاتلة الشائكة في ارض الحلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا