النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10844 الاثنين 17 ديسمبر 2018 الموافق 10 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:56AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    2:30AM
  • المغرب
    4:49AM
  • العشاء
    6:19AM

كتاب الايام

الفرنسيون... وقبائل سورية

رابط مختصر
العدد 10804 الأربعاء 7 نوفمبر 2018 الموافق 29 صفر 1440

كانت اتفاقية «سايكس بيكو» 1916 أبرز الأسرار التي عُرفت ثم نُفذت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد تأسست بموجبها دولتا العراق والشام، كما أصبحت بنودها راسمة للحدود عبر صحاري المنطقة وبواديها بين الدولتين، كما صار لزامًا على قبائل كبرى مثل «عنزة» و«شمر» المنتشرتين على مسافات كبيرة أن تتعامل مع الدول الجديدة والقوى الغربية في الوقت نفسه.
تقول الباحثة البريطانية داون تشاتي chatty التي نواصل عرض دراستها «إن زعماء العشائر وأنصارهم مضى كل إلى سبيله بعد أن هزم الفرنسيون في معركة ميسلون الأمير فيصل سنة 1920، وتم إعلان الانتداب الفرنسي والبريطاني على الأقاليم العربية السابقة للدولة العثمانية، ومرت القبائل بمرحلة من الانقسام وتضارب السياسات بين اعتراف واحتجاج وتعاون». وتقول تشاتي إن عشيرة «الشعلان» ترددت بين الفرنسيين والإنكليز، حيث توصلت أخيرًا إلى اتفاق مع الفرنسيين لحماية القوافل في البادية والحفاظ على السلم بين العشائر في مقابل مادي.
ما السياسة التي تبناها الفرنسيون إزاء الدولة السورية؟ حاول الفرنسيون إضعاف الحركة القومية العربية من خلال تبني سياسة دعم الأقليات الدينية، وتضيف الباحثة أن الفرنسيين «منحوا بشكل خاص اللاجئين الأرمن الناجين من مسيرات الموت في الأناضول الجنسية السورية، كما منحوا الجنسية للأكراد المناصرين لثورة الشيخ سعيد ضد كمال أتاتورك».
كما اهتم الفرنسيون بالبادية وشجعوا زعماءها، خصوصا «نوري الشعلان»، على إقامة دولتهم الخاصة بإشراف وحدة فرنسية خاصة، أنشئت سنة 1920 هي «وحدة تنظيم نشاط البدو»، أما البريطانيون فاهتموا اهتماما خاصا بتحالف عشائر «شمر»، وحاولوا إعادة التفاوض على الحدود بين سورية والعراق بتحريض كل زعيم على الآخر، وتضيف: «وكان أعظم هؤلاء «عجيل الياور» شيخ «قبيلة شمر» الذي كان يعتمد هو و«نوري الشعلان» على ولاء مئات الآلاف من رجال العشائر عبر الحدود العراقية السورية والعراقية والأردنية والسعودية، وحاول الفرنسيون والبريطانيون عبثًا ربط الانتماء العشائري بأرض محددة».
احتاج الفرنسيون إلى التفاهم مع القبائل لأن البادية كانت تشكل ثلث أراضي الانتداب التي حصلوا عليها، ولم يكن في وسعهم تركها خارج نطاق سيطرتهم، وكان الفرنسيون كذلك بحاجة إلى ضمان ممر دائم وآمن عبر المنطقة من أجل التجارة والسفر إلى بغداد. علاوة على ذلك تضيف: «كان من الضروري تأمين خط النفط إلى الموصل مثلما جرى مع خط النفط إلى حيفا، وكان أمام الفرنسيين خياران: إما تهدئة المنطقة بقوة السلاح، وإما شراء دعم العشائر بإرضاء زعمائها، وقد جرب الفرنسيون الخيارين كليهما».
واتبعت القبائل سياسة حرمتهم في النهاية من الجنسية اللبنانية! تقول الباحثة موضحة ما جرى: «عند إنشاء دولة لبنان الكبير الجديدة، ألحق الفرنسيون وادي البقاع التابع لبلاد الشام بجبل لبنان ذي الأغلبية المسيحية، وأجرى الفرنسيون أول تعداد وطني في سنة 1932 (ولا يزال الأخير) ولكن كثيرًا من زعماء البدو أبوا التسجيل، ورفضوا السماح لرجال عشائرهم بالتسجيل اعتراضا على وجود الاستعمار الفرنسي، وكانت المفارقة أنه بينما تهرّب بعض البدو من التعداد من أجل المقاومة فإن الدولة الوطنية الجديدة التي أنشأها الفرنسيون استبعدتهم تشريعيًا، وهمشتهم أكثر حتى في عملية تكوين الدولة وبحرمانهم من الجنسية، ما عاد في مقدور الغالبية العظمى من عشائر البدو المقيمين في وادي البقاع شراء الأراضي باسمها، ولا الحصول على التعليم أو الرعاية الصحية».
(مجلة عمران- العدد 10- 2016)
شهدت السنوات الأولى من الانتداب تغييرات سكانية واسعة، وعمليات إخلاء لسكان مستقرين وللبدو على حد سواء وكان الأرمن والأكراد والآشوريون وبقية المسيحيين يصلون إلى سورية ولبنان بعد اقتسام الإمبراطورية العثمانية. وتقول الباحثة إن قرابة أربعين ألف عائلة بدوية من قبيلة «شمر» لجأت إلى «الجزيرة» في سورية والعراق بعد انهزام القبيلة في نجد، في حين رحلت جماعات أخرى كارهة للانتداب من البادية السورية إلى قلب شبه الجزيرة العربية من عشائر الرولة والحسنة والفدعان والسبعة في تحالف «عنزة».
ولكن «ثورة الدروز»، تقول الباحثة، والمعروفة بالثورة السورية الكبرى 1925- 1927 غيرت السياسة الفرنسية بعد أن صعد البدو المتعاطفون مع قضية الثورة السورية غاراتهم، وحولوا في الأغلب سلاحهم ضد الفرنسيين. ففي منطقة حمص وحماة على سبيل المثال «هاجمت عشيرة الحديديين «حماة» ونهبتها، وقطعت الاتصالات ودمرت كثيرا من الممتلكات الحكومية، ولم يتمكن الفرنسيون من استعادة سلطتهم إلا بعد يومين من القصف الجوي، ونشر قوات الطوارئ الفرنسية، وبذل الفرنسيون جهودهم من أجل انعقاد مؤتمرات للسلام والتفاهم بين القبائل المتناحرة، واستكملوا جهود السلام بدفع إعانات شهرية لكل زعيم عشيرة مشارك في المؤتمر».
وتقول: «قسم الفرنسيون عشائر سورية إلى بدو رحّل وأشباه رحّل، وشمل تصنيف البدو والرحّل تحالفات عنزة وشمر، وكذلك العشائر الأقوى، وكان هذا التمييز يعني السماح للعشائر الرحّل بحمل السلاح، فيما تعين على عشائر البدو أشباه الرحل الحصول على رخصة من الحكومة لحمل السلاح.
ورفض كثير من رجال العشائر الانصياع لـ«وحدة تنظيم نشاط البدو»، ورحلوا إلى خارج البلاد أما زعماء العشائر الذين بقوا مخلصين للفرنسيين فمنحوا تمثيلًا تلقائيًا في مجلس النواب تحت الانتداب الفرنسي وخصصت تسعة مقاعد لأقوى العشائر».
ماذا عن تقسيم المناطق وملكية الأراضي؟
رافقت الانتداب الفرنسي سياسة جديدة في مجال ملكية الأراضي عمّقت الخلافات والصراعات بين القبائل، فقد وضعوا قانونا جديدًا للأراضي ونظامًا جديدًا لسنوات الملكية ليحل محل النظام العثماني المتوارث من قرون. ففي البادية سجلت المراعي التي كانت ملكا جماعيا للعشيرة بأسماء أفرادٍ هم عموما زعماء العشائر، وقد سجل معظم أراضي العشائر في البادية بهذه الطريقة في ظل الانتداب، فسُجلت في منطقة حمص وحماة مثلا أراضي عشرين قرية باسم الشيخ «طراد الملحم» وبهذه الطريقة سجلت «شمر» أكثر من مليوني هكتار من أراضي الجزيرة في سورية بأسماء زعمائها، نتيجة لذلك تضيف الباحثة «غادرت وحدات كثيرة من العشائر البدوية سورية ونأت بنفسها عن مجال الفرنسيين السياسي. وبدأ رجال العشائر الذين استقروا في البادية والجزيرة اهتمامهم بالزراعة، وبدأت لأول مرة ظاهرة التخلي التدريجي عن تربية الإبل التي أصبحت أقل ربحا، والاهتمام بتربية الأغنام، وشرعت عشائر أصيلة كثيرة كانت تربي الإبل سابقا في تربية الأغنام، وهو ما أسفر عن ظهور منافسة حادة لم تكن موجودة من قبل بينهم وبين العشائر التي طالما رعت الماشية».
بحلول عام 1940 برزت ملامح جديدة في المجتمع لاختلاف البادية والحاضرة، وتقول الباحثة: «إن زعماء العشائر شعروا في البرلمان السوري بقلق متزايد من تدخل الوطنيين السوريين بشؤونهم، والتمسوا دعم الفرنسيين، وهكذا صدر «قانون العشائر» في يونيو من تلك السنة، اعتبر المعارضون الخطوة دعما لـ«الدولة البدوية داخل الدولة». وعندما قدم النواب الوطنيون بعد فترة وجيزة مشروع قانون يدعو إلى إنهاء حكم الانتداب الفرنسي لم يحضر للتصويت إلا نائب واحد فقط من مجموع تسعة نواب بدو». (ص 89).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا