النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10844 الاثنين 17 ديسمبر 2018 الموافق 10 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:56AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    2:30AM
  • المغرب
    4:49AM
  • العشاء
    6:19AM

كتاب الايام

البرلمان أرض والنائب فلاحها

رابط مختصر
العدد 10796 الثلاثاء 30 أكتوبر 2018 الموافق 21 صفر 1440

نحن مقبلون قريبا على مهرجان انتخابي جديد، يغلق باب فصل تشريعي ويفتح بابًا جديدًا. وبطبيعة الحال، في مرحلة التحضير، البعض يصطف في صفوف المترشحين، والأغلبية الساحقة من المواطنين، وهم السلطة الدستورية، ينتظرون اليوم الموعود لانتخاب نواب الشعب، وهم يشكلون صرح السلطة التشريعية، سلطة في موازاة سلطة تنفيذية وسلطة قضائية، وليس لسلطة بين الثلاث سلطات سلطة على الإثنتين. هذه قاعدة دستورية وديمقراطية قد لا تكون في وارد ذهن أكثر المتقدمين للترشح. من المفارقات الغريبة، والتي لا يمكن استيعابها وهضمها، بشأن أعضاء السلطة التشريعية وعلى مستوى جميع الديمقراطيات في العالم، هي أن متطلبات الترشح لسلطة مهمتها الأساس سن القوانين التي تنظم حياة المواطنين وترسم الخطوط السيادية في التعامل مع المجتمع الدولي، هي من أبسط المتطلبات والتي لا تتعدى كون المترشح مواطنا قد بلغ الثامنة عشرة من العمر، يعرف القراءة والكتابة ويكون نظيفا (!!!) لم تمسه الملوثات الجنائية. هذا موضوع جدلي وإشكالي ليس مجاله ساحة المقالات، ولكن ساحات الدراسات والبحوث الأكاديمية. جئنا على ذكر هذه الحقيقة فقط للتوضيح، وكيف أن هذه الحقيقة تؤكد أنه ليس بالضرورة أن يكون الصرح البرلماني، بحد ذاته، مؤهلا ومقتدرا من حيث التحصيل الأكاديمي والمعرفة والخبرة، على تنفيذ مهماته التشريعية بكفاءة وفاعلية، ناهيك عن جانبي الإخلاص والأمانة. هذه السلطة هي التي تخرج القوانين من تفاعلات كيمياء الديمقراطية في البرلمان، وتعتمدها السلطة القضائية، وتنفذها السلطة التنفيذية. أعضاء السلطة القضائية وأعضاء السلطة التنفيذية يستحيل أن يتبوؤا مقاعدهم الوظيفية دون حصولهم على المؤهل الأكاديمي الذي يلائم الوظيفة ودون تمتعهم بالمعرفة اللازمة والخبرة العملية. سلطتان تتسمان بالتأهيل العلمي والمعرفة الواسعة والخبرة العملية تنصاعان لسلطة قد تكون بالكامل صماء، لا تأهيل، حتى مدرسي، ولا أدنى حد من المعرفة ولا شذر من الخبرة. متطلبات الترشح للبرلمان في كل الديمقراطيات تفتح أبواب السلطة التشريعية لكل من هب ودب، مادام مواطنا بلغ الثامنة عشرة من العمر ويعرف رسم الكتابة حتى وإن تلعثم وتلكأ في نطق كلمة في جملة غير مفيدة، حتى وإن لم يكن في مقدوره كتابة كلمة كاملة الأركان إملائيا، ناهيك عن جملة مفيدة كاملة الأركان قواعديا. هذه ثغرة كبيرة ترتسم منها بقعة سوداء، داكنة السواد، في هيكل الديمقراطيات كلها. وهذه السلطة التشريعية التي لا يشترط تمتع أعضائها بأي مؤهل مدرسي أو خبرة عملية هي صاحبة الحق في تنفيذ آليات الرقابة على السلطة التنفيذية، وهي نفسها ليست عرضة لأي نوع من الرقابة لا داخليا ولا خارجيا، بينما السلطة التنفيذية مكشوفة على الرقابة الخارجية من قبل البرلمان، وعرضة للرقابة الداخلية بمقتضى إجراءات وآليات إدارية. فأية جهة أو سلطة لها حق دستوري في مراقبة الأداء الكلي والإجمالي للبرلمان؟ وما هي الإجراءات والآليات التي يمكن بواسطتها محاسبة النائب على كفاءته وفاعليته في الأداء التشريعي والرقابي؟ واضح أن النائب في السلطة التشريعية يحضر جلسات البرلمان أو يغيب عنها، يعمل أو لا يعمل، فلا رقيب عليه ولا حسيب، وهذا باب آخر أوسع لدخول الجهلة والانتهازيين والعابثين في البرلمان.
نعتمد على الطبيعة وتفاعل الإنسان معها من أجل توضيح هذه الصورة الداكنة عن الديمقراطية السائدة اليوم وعن البرلمان، وهو من أسس هذه الديمقراطية، وفهم تفاعلات العلاقة، في جدليتها وفي صوريتها، نشبه البرلمان بالأرض، التربة، والنواب بالفلاح، والقوانين بالثمار. قبل كل شئ لا بد للتربة أن تكون صالحة للحرث والزراعة وإنتاج الثمر، وثانيا لا بد للإنسان الفلاح أن يكون مقتدرا جسديا وله معرفة بالتربة وكيفية الحرث وله معرفة بأنواع البذور وخبرة في أصول الري، ودراية عميقة بكيفية المحافظة على الزرع والمحصول ضد تقلبات الجو والطقس وضد الأمراض والحشرات الضارة، مع توفر هذين الشرطين، ومع توفر الماء والبذور، يتحقق ولادة النبات والشجر والمحصول من الثمر. ويستحيل الحصول على غلة الثمر إذا سقط شرط واحد من هذه الشروط. فلابد للمترشح، الطموح لأن يصبح نائبا للشعب ويتحمل المسئولية الوطنية ويرضي ضميره الوطني، أن يتحلى بروح الفلاح وبقدرات الفلاح وبخبرة الفلاح وبضمير الفلاح. إن جهود الفلاح تنتج النبات والشجر، وكل شجرة ثمارها دانية وجذورها ضاربة في أعماق التراب. هكذا يكون الانتاج، كان إنتاجا ماديا أو إنتاجا علميا أو إنتاجا أدبيا، ولكن الإنتاج البرلماني بعد لم يصل إلى هذا المستوى من الكفاءة والفاعلية في المهمة الإنتاجية. إن انتاج الجهد البرلماني من ثمار التشريع مازال هزيلا لا يوفي المجتمع حقه من الغذاء القانوني.
هناك هوة واسعة بين الفلاح والنائب، الفلاح يعبر عن نيته وهدفه، وهما واضحان، بضرب المعول في الأرض، بينما النائب يعبر عن نيته وهدفه، وهما مبهمان، بنثر الكلام المنمق في الهواء، وشتان بين نتاج المعول ونتاج الكلام، من هذه المقابلة والمقارنة بين الفلاح والنائب نستطيع أن نعي أن الثغرة في الجسم البرلماني قد فتحت أبوابا لأصحاب الأهواء والمصالح الأنانية ولمن لا يملكون أدنى مستوى من العلم والمعرفة والخبرة للعبث بتربة الوطن واللعب بتوقعات المواطن الناخب، ومع هؤلاء تتحول تربة الوطن (البرلمان) الى ساحة للمجادلات العقيمة والمناكفات بين الإتجاهات المتناقضة والمتصارعة والمزايدات، خاصة بطرح الثقة والإستجوابات، وتفعل المصالح الشخصية فعلها بالصمت أو بالشجار أو بالمبهم من الكلام والمداخلات، وتتحلل البذور مدفونة تحت التراب، وتجري المياه في غير مجراها، ويترقب الشعب الثمر دون رجاء ولا أمل. هكذا كان حال الفصول التشريعية السابقة. فهل من رجاء أو حتى بادرة أمل في أن ينتج الفصل التشريعي القادم من الثمر المرتقب ما لم تقدر عليه الفصول التشريعية السابقة؟
أمر مشكوك في نتائجه وفي إنتاجيته، مادامت أبواب الترشح مفتوحة على مصراعيها لكل من هب ودب، وغالبيتهم غث هزيل.
هذه نظرة تشاؤمية تجاه حقل البرلمان، وهذا التشاؤم لم يأت من فراغ ولا من عبث، لأن تجربتنا البرلمانية أنتجت هذا التشاؤم... فهل بامكان سعادة النواب القادمين إغلاق باب التشاؤم وفتح باب التفاؤل؟، إن الأيام القادمة ستكون هي الشاهدة على القدرة الإنتاجية للنائب وعلى عجزه، وسيصدر التاريخ ذات يوم حكمه على كل نائب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا