النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

سياسة أمريكا من الانعزال إلى العزل

رابط مختصر
العدد 10789 الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 الموافق 14 صفر 1440

الولايات المتحدة الامريكية (أمريكا) في الزمن المعاصر، الذي يمتد من القرن التاسع عشر الى اليوم، هي الأشبه والأقرب قوة ونهجا ونفوذا بالإمبراطورية الرومانية، تلك الإمبرطورية التي عاشت ما يقارب الألف عام. بعد صراع مرير ضد سلطة المملكة المتحدة (الملكية البريطانية) انتصر المستوطنون الأوروبيون في القارة الجديدة على بريطانيا، وتمكنوا من إنشاء دولتهم على أنقاض التاج الملكي البريطاني. القرن الثامن عشر شهد ولادة دولة دستورية ديمقراطية تحت مسمى «الولايات المتحدة الأمريكية»، وكان الشكل النهائي لهذه الدولة الفتية، في حينه، عبر حروب داخلية لملمت جغرافيا الدولة. القرن التاسع عشر، كان قرن بروز نواة الدولة العظمى التي نهضت وترعرعت ونمت إلى أن صارت شبه مهيمنة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا على جغرافية العالم، وفي هذا القرن، القرن التاسع عشر، استطاع الآباء الأوائل في امريكا من توحيد دولتهم وتطهير القارة الجديدة من الاستعماريات الأوروبية، وتأمين سلامتها واستقرارها في مجموعة الدول الحديثة في امريكا الجنوبية وامريكا اللاتينية والتي هي بمثابة الحدائق الخلفية لها.
رغم تطهير القارة الجديدة من الاستعماريات الأوروبية، إلا أن الدولة الفتية الأقوى في القارة الجديدة كانت تخاف من عودة أوروبا عبر الحدائق الخلفية، فكان ما يعرف بمبدأ مونرو الذي كان يدعو إلى الفصل بين العالمين، أوروبا والعالم القديم في حالهم، ومجموعة دول القارة الجديدة في حالها. لم يكتب لهذا المبدأ النجاح، ولم يكن واقعيا، خاصة وأن النظام الاقتصادي السائد، كان نظام إنتاج السلع بتنوعها وبكثافة وبكميات كبيرة تتعدى تلبية الحاجة الوطنية، أي ضرورة البحث عن أسواق عالمية، وعن مصادر للمواد الخام الضرورية لعجلة الاقتصاد الرأسمالي. واقتضى هذا الأمر من أمريكا بناء ترسانة عسكرية قوامها الأساس، في حينه، البارجات العسكرية القادرة على عبور المحيطات والقيام بدور الحماية للسفن التجارية، ولفتح الأبواب المغلقة. كانت اليابان تعيش في ظل سياسة الانعزال التام عن العالم، وقد استمرت هذه السياسة زهاء المائتين وخمسين سنة. البوارج الحربية الامريكية، المعروفة بالسفن السوداء بقيادة الأميرال ماثيو بيري، كسرت طوق العزلة عن اليابان، وتحولت السلطة في اليابان من عهد إيدو الإقطاعي المنغلق إلى عهد مييجي المنفتح على العالم. وبهذا الفتح (المبين) لأمريكا في اليابان فتح العالم عيونه على نهج سياسي تجاري عسكري جديد، وتوجهت الأنظار إلى القوة العالمية الجديدة التي لا تتوانى ولا تتردد عن استخدام القوة متى استدعت ضرورات المصلحة الوطنية الامريكية لذلك. كان هذا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكانت أمريكا تتحفز لدخول القرن العشرين على أنقاض الآثار الاستعمارية الأوروبية التي عفى عليها الزمن بعد بضع قرون من بسط السلطة المباشرة على شعوب دول آسيا وأفريقيا.
كان ذاك العهد الاستعماري هو تركة النهج القديم للإمبراطوريات ما قبل النظام الرأسمالي في عنفوانه، وما قبل نجاح الشعوب الأوروبية في ترسيخ دعائم الدستورية الديمقراطية في بلدانها، وعلى رأسها الدستور الامريكي والديمقراطية في امريكا مدعومة بالنهج الرأسمالي المتطور على يد البرجوازية الجديدة في امريكا. أطل القرن العشرين على العالم، وأوروبا الاستعمارية في حال ارتباك ومنافسة في المستعمرات، بينما امريكا في حال رصد وترصد لما يدور في أوروبا وفي المستعمرات. تفاعل الارتباك مع المنافسة في صراع عسكري عالمي (الحرب العالمية الأولى 1914- 1918) على مكانة كل دولة في أوروبا وعلى تأمين البقاء في المستعمرات والاستحواذ على مستعمرات جديدة، أو إعادة تقاسم المستعمرات بين الدول الأوروبية المستعمرة، ومن أهم نتائج هذه الحرب الاستعمارية بالنسبة للشعوب العربية هي تقاسم إرث الامبراطورية العثمانية بين بريطانيا وفرنسا، ووضع اللبنات الأولية لإنشاء دولة لليهود في فلسطين (وعد بلفور).
أمريكا كانت ترى نهاية عهد الاستعمار القديم في هذه الحرب، وكانت رؤيتها سليمة، وكانت توازن بين القوى المتحاربة، وتدرس نقاط القوة والضعف عند كل قوة، حتى تحدد أين سيكون موقعها الأجدى في الصراع الأوروبي الأوروبي. رجال الأعمال في أمريكا، ومن خلال فهمهم لحركة المال والإقتصاد، كانوا قد سبقوا رجال السياسة بأن وضعوا بيضهم في سلة التحالف البريطاني الفرنسي، فكانوا يدعمون بالقروض المالية دول التحالف، وقد بلغ مجمل القروض ما يقارب الثلاثة تريليون دولار. دفعت هذه السلة المالية من القروض الكبيرة الحكومة الامريكية للوقوف الى جانب الحلفاء في الحرب وقلب موازين القوة في صالح التحالف البريطاني الفرنسي (روسيا القيصرية وبفعل الثورة البلشفية كانت قد خرجت من التحالف).
هكذا دخلت امريكا الساحة الدولية وفي لحظة تاريخية حاسمة تقرر فيها مصير أوروبا الاستعمارية. تداعيات هذه الحرب ونتائجها الكارثية والمهينة على ألمانيا كانت بمثابة الرماد الذي يخفي جمرة الصراع في أوروبا، فلم يدم السلام والاستقرار النسبي طويلا حتى هبت رياح الصراعات في أوروبا وازالت الرماد عن الجمرة الملتهبة، فكان صعود النازية، التي جاءت لتعيد لألمانيا كرامتها ولتتقاسم المستعمرات مع بريطانيا وفرنسا، فتفجرت حمم الحرب الكونية الثانية. في هذا الأثناء كانت البوارج الحربية الامريكية تجوب محيطات العالم وخاصة المناطق المتاخمة لليابان. كانت امريكا متحفزة للدخول في هذه الحرب، ولم يكن أمامها من خيار سوى الدخول في الحرب. فدخلت الحرب عبر بوابة الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر في المحيط الهادي. تحولت موازين القوى لصالح دول التحالف، وتشكل تحالف عسكري (حربي) جديد قوامه أمريكا والاتحاد السوڤييتي وبريطانيا. انهزمت النازية وانتصر التحالف الجديد. من أهم نتائج هذه الحرب هي صعود امريكا كدولة عظمى وتصاعد الاتحاد السوڤييتي كدولة عظمى منافسة، وانكمشت أوروبا، بقطبيها الأساسيين بريطانيا وفرنسا، اضافة الى ألمانيا المجزأة، واندست تحت عباءة الحماية الامريكية. عالميا تم تأسيس هيئة الامم المتحدة، كمنبر دولي ضامن ضد اشتعال حرب كونية جديدة، وكهيئة دولية تحفظ مصالح الدول المنتصرة. برز على الساحة الدولية قطبان متنافسان سياسيا وثقافيا، كتلة غربية بقيادة امريكا تحت غطاء تحالف عسكري هو حلف الناتو، وكتلة شرقية بقيادة الاتحاد السوڤييتي تحت غطاء عسكري هو حلف وارسو. القيادة الامريكية ضمنت لنفسها الريادة السياسية في هيئة الامم المتحدة بأن جعلت من امريكا مقرا لها، وشكلت في إطار الهيئة مجلس الأمن بعضوية دائمة لخمس دول، وكان هذا المجلس هو صمام الأمان ضد إرادة الدول الأخرى، والتي كانت في مجملها تدور في فلك أحد القطبين. وأمنت امريكا لنفسها كذلك الريادة المالية (الاقتصادية) من خلال مؤتمر بريتون وودز، وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. تحققت الريادة العسكرية والاقتصادية لأمريكا، وتحولت أوروبا الى شبه محمية تحت الحماية الامريكية لحمايتها ضد أي غزو سوڤييتي (مزعوم) وضد أي تطور محتمل يمكن ان يقلب موازين القوى في أوروبا في صالح التيارات الاشتراكية وحتى الشيوعية. النصف الثاني من القرن العشرين تحول العالم الى مسرح لحرب عظمى باردة تخللتها حروب صغرى ساخنة، وكر وفر، عسكري وسياسي، بين القطبين، مع اقتراب القرن العشرين إلى نهايته إنفل القطب الشرقي، واستقوى القطب الغربي، وصعدت امريكا الى مرتبة الدولة الأعظم دون منافس ولا منازع. وقد عبر الرئيس ميتران عن مخاوفه مع هذا التحول النوعي وصعود قوة وحيدة دون منافس. فترة الانعطاف خروجا من القرن العشرين ودخولا الى القرن الواحد والعشرين، شهدت حروبا شرسة من اجل اختراق ما تجزأ من الكتلة الشرقية. النتيجة من القرن العشرين هي تثبيت اقدام امريكا في العالم، وانحسار الدور السوڤييتي المنافس وانكماش الدور الأوروبي. نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، وامريكا تتحدث عن قضيتين أساسيتين، وهما، من جهة قيادة العالم أم الهيمنة على العالم، ومن جهة أخرى، الاستفراد بهذا الدور من قبل امريكا دون حاجة الى تحالف على قاعدة الند للند، لكن الاستعاضة عنها بقاعدة القائد (السيد) والتابع. ويمكننا أن نستشفّ هذا النفس في الخطابات الأخيرة للقيادة الامريكية، القيادة السابقة كانت تركز على مفهومي القيادة والهيمنة، والقيادة الحالية تتحدث دون مواربة بلغة الأمر لدول التحالف الغربي، وهذا ما كان يخشاه الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران. هذا يعني أن أمريكا قد وضعت نفسها أمام خيارين، بالنسبة للقضية الثانية، هل ستتخذ امريكا لنفسها خطا مغايرا لمبدأ الند للند، وتعزل جميع القوى التي كانت تتحالف معها، وتحولها إلى قوى تابعة تأتمر بأوامرها. هذا هو الخيار الذي يمكن تحسسه من خطابات القيادات الامريكية بعد الاستفراد بمكانة الدولة العظمى.
نعتقد ان هذا المبدأ غير واقعي ويناقض طبيعة الأشياء وبالنتيجة غير قابل للحياة، فمثلما فشل مبدأ الانعزال (مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر)، كذلك سيفشل مبدأ العزل (عزل جميع القوى الأخرى أمام الإرادة الامريكية) في القرن الواحد والعشرين. ومع فشل هذا التوجه، فإن العالم مقبل على نهج جديد من التوازن بين الحرب والسلام، بين التنافس والتعاون، ولكن من شبه المؤكد أن قيادات الدول الكبرى، وعلى رأسها امريكا، تعمل جاهدة على تفادى الانزلاق الى حرب عالمية ثالثة، لأنها تدرك جيدا بأن هذه الحرب سوف لن توثق على صفحات التاريخ، لأنها ستكون خاتمة التاريخ ونهاية زمن الإنسان...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا