النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

السعودية ومجلس التعاون الخليجي

رابط مختصر
العدد 10789 الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 الموافق 14 صفر 1440

وصلت قطر إلى حافة الهاوية في علاقتها مع المملكة العربية السعودية؛ لموقفها من قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والذي تمثّله (قناة الجزيرة) التي هي في الأصل المتحدث الرسمي باسم قطر منذ تأسيسها في (نوفمبر 1996م)، وهي الأداة الأساسية التي استخدمتها لإدارة معركة إسقاط أنظمة الحكم الخليجية والعربية.
إن الشواهد ووقائع الأحداث تؤكِّد إصرار دولة قطر على تنفيذ مخططها المُحكم للتربّع على عرش الوطن العربي والتحكم فيه عبر تغيير أنظمة الحكم فيه، وذلك ابتداءً من إزاحة المملكة العربية السعودية من المشهد السياسي والاقتصادي وإنهاء حكم آل سعود خلال عشر سنوات، وهي المؤامرة التي كشفها الرئيس الليبي معمَّر القذافي بتسريبه للتسجيلات الموثَّقة إلى القيادة السعودية قبل الإطاحة به واغتياله على يد مجموعة موالية لقطر ومموَّلة من قِبلها.
فمنذ إعلان نبأ اختفاء جمال خاشقجي بدأت قناة الجزيرة وتوابعها الإعلامية في الردح ضد المملكة العربية السعودية، وتلفيق التهم إليها وتأجيج الرأي العام العربي والدولي ضدها، دون تبصّر ودون أدنى اكتراث لمسؤوليتها الإعلامية في نقل الحقيقة المجرَّدة! وهو النهج الذي دأبت عليه هذه القناة التي طالما فتحت فضاءها لتعزيز خطابات الكراهية ضد الأنظمة العربية والخليجية وبثّ سمومها ودعواتها التحريضية من خلال برامجها وأفلامها وأخبارها الكاذبة والملفَّقة.
إن قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي قد انتهت بإعلان المملكة العربية السعودية عن ملابسات الحادث واستمرار التحقيق فيه بكل حيادية وشفافية وذلك في بيان رسمي صادر عن الديوان الملكي، إلا أن التعاطي القطري مع القضية كشفَ إمعان دولة قطر وتأكيدها على خيارها الاستراتيجي واقتناعها بجدوى الاصطفاف إلى جانب تركيا وإيران وعقد التحالفات والمعاهدات الدفاعية والأمنية معها لحماية وجودها كدولة، وعدم إعارتها موضوع الأزمة الخطيرة التي تعصف بمجلس التعاون منذ (5 يونيو 2017م) أدنى اهتمام.
فقد تمادت أركان الحكم القطري في غيّها، ولم تُظهِر حرصها على حماية مصلحة ومستقبل المنطقة بإنهاء هذه الأزمة عبر الاستجابة لمطالب الدول المتضررة من سياساتها، وهو ما عَقَّد الوضع العام، وزاد التوتر بين الأشقاء، وجعل الحل يسير في طريقٍ مسدود، وحصَرَ قطر ذاتها في وضع اقتصادي واجتماعي يزداد صعوبة يومًا بعد الآخر، لينتهي الأمر في الحسابات القطرية بأن يصبح بقاء (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) من عدمه سيان! رغم أن انهيار هذه المنظومة يضع منطقة الخليج في خطرٍ محدق يُدخلها في معارك ضارية تدمّرها وتزعزع استقرارها الداخلي، ويترتَّب على هذه الفوضى العارمة تأثيرات خطيرة جدًا على الوضع الأمني في الوطن العربي ككل.
وهذا الوضع بكل أبعاده يثير عددا من التساؤلات، فماذا تبقَّى من مجلس التعاون بعد الانتهاكات القطرية الجسيمة التي مسَّت أسس أمنه واستقراره ؟ وكيف سيكون مستقبله بعد تشرذمه وتوتر العلاقات بين دوله؟ وكيف يمكن للملك سلمان بن عبدالعزيز مصافحة أمير قطر أثناء القمة الخليجية المتوقعة في الرياض في شهر ديسمبر القادم؟ أ لم يحن الوقت لإعادة ترتيب أوضاع مجلس التعاون المعطَّل عبر تركيبة جديدة أو بتشكيل (مجلس خليجي عربي) جديد لمواجهة (قيادة الظل) التي تحكم قطر؟
إن (قيادة الظل القطرية) لم تستوعب حتى الآن أن وصول الملك سلمان بن عبدالعزيز للحكم وتولّي ابنه الشاب محمد بن سلمان ولاية العهد قد أنهى نهجًا سياسيًا تقليديًا قديمًا، وبدأ معهما نهج سياسي فاعل متحرك في كل الاتجاهات وفقًا لمصالح السعودية الاقتصادية، فتحولت المملكة العربية السعودية من مراقب للأحداث إلى لاعبٍ رئيسي فيها ولها دور مهم في السياسة الإقليمية والدولية بفضل قوتها السياسية والاقتصادية والروحية العظيمة.
كما أنه وبعد مضي عام على الأزمة القطرية، فإن قطر غير مدركة إطلاقًا بأن السياسة الأمريكية التي كانت سائدة خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما قد ولَّت إلى غير رجعة، وأن ما تدفعه من مبالغ باهظة لمجموعات الضغط في الكونجرس ولشركات العلاقات العامة الأمريكية والأوروبية غير ذي جدوى؛ بسبب انهيار (مؤامرة الربيع العربي) التي جاءت متناغمة مع طموح القيادة القطرية وأحلامها السياسية الخبيثة، فأهدرت من أجل تنفيذها أموال الشعب القطري وأوقعته في مشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة لن تنفع معها البهرجة الإعلامية والتحركات السياسية والاتصالات الواسعة لتلميع الواقع المرّ الذي يعانيه الشعب.
لذلك سؤال عميق آخر يدور في الأذهان، حول النتيجة المنتظرة في حال لم تستجب دولة قطر للنصيحة التي قدمتها لها دولة الكويت بعدم الانسحاب من عضوية مجلس التعاون الذي كان متوقعًا أن يعلنه أمير قطر في خطابه الذي ألقاه مساء (21 يوليو 2017م) ؟
فهل سيكون انسحاب قطر من المجلس سببا في انهياره وتفكّكه ؟ بالتأكيد لا؛ فالمجلس قائم على استقرار العلاقات بين أغلب دوله، فإذا شذَّت دولة واحدة كقطر عن الركب، فإن ذلك لن يكون له أدنى تأثير على بقاء المنظومة، في حين لو انسحبت دول المقاطعة الثلاث منها فإن ذلك حتمًا يعني انهيار المجلس وانتهاءه، وهي حقيقة لا تقبل أدنى مجال للشك.
إذن، وبحسبة غاية في البساطة فإن استمرار المقاطعة لها أثر بالغ على دولة قطر مهما كابرت وتغنَّت بقوتها وردَّدت عبر تصريحات كبار مسؤوليها بأنها لا تقبل المساس بسيادتها واستقلالها، ومهما أمعنت في سياسة اللا وعي التي تسيِّرها وأحلام اليقظة التي تصوّر لها قدرتها على البقاء ومقاومة محيطها الإقليمي من خلال:
استغلالها لسياسة التوازنات وترتيب التحالفات مع القوى الإقليمية في المنطقة وتحديدًا مع إيران وتركيا اللتين لهما أطماع جليّة في دول مجلس التعاون.
اعتمادها على السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقائمة بشكل مباشر وصريح على المصالح المالية المدفوعة للخزانة الأمريكية مقابل توفير الحماية لقطر باستمرار تواجد القوات الجوية الأمريكية في قاعدة العديد الجوية، رغم التناقض والتوتر الشديد في العلاقات (الأمريكية الإيرانية التركية)، وانعكاسات ذلك على الاستراتيجية الأمنية والمصالح الأمريكية في منطقة الخليج.
لقد آن الأوان لبحث صيغة جديدة لمجلس تعاون جديد باسم جديد وأعضاء جدد، فالوقت والظروف التي تمر بها المنطقة لم تعد مناسبة لاستمرار مطالبة القيادة القطرية بتنفيذ المطالب الثلاثة عشر التي قُدِّمت لها قبل وبعد (يونيو 2017م)، وذلك للأسباب الآتية:
إن الزمن وتوالي الأحداث والتعاطي القطري معها قد جاوز المطالب الثلاثة عشر، حيث تعدَّت قطر الخطوط الحمراء في علاقتها مع المملكة العربية السعودية، واستغلَّت قضية الصحفي جمال خاشقجي أبشع استغلال وطعنت في السعودية وشوَّهت سمعتها على كافة المستويات انطلاقًا من أهداف استراتيجية للتأثير على كل الخطط والمبادرات التي قدمها ولي العهد محمد بن سلمان من أجل التغيير، وليس أدل على ذلك من مقاطعة الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الغربيين منتدى (دافوس الصحراء).
أهمية قيام منظومة خليجية جديدة دون قطر بعد الاختراق الأمني والدفاعي للاتفاقيات الخليجية في هذا الشأن بتواجد القوات التركية والإيرانية على الحدود الشرقية للمملكة العربية السعودية، واستقواء قطر بالقوات الأمريكية في قاعدة العديد الجوية كركيزة أساسية لأمنها.
لذلك فليس من المستغرب انسحاب المملكة العربية السعودية من منظومة مجلس التعاون بعد زوبعة قضية خاشقجي، وسيتبعه دون شك انسحاب مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة، والذي قد يتمّ قبل موعد القمة الخليجية القادمة التي اعتذرت سلطنة عمان عن عدم استضافتها!

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا