النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10842 السبت 15 ديسمبر 2018 الموافق 8 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

ســـؤال النهضـــة العربيـــة «2»

رابط مختصر
العدد 10779 السبت 13 أكتوبر 2018 الموافق 4 صفر 1440

يحمل العقل العربي تراثا متراكما من التفكير الذي يصطدم مع ثقافة العصر، لذلك فهو لا يريد أو يقبل الاندماج أو التصالح مع الأفكار التي بشر بها جيل النهضة العربية الأول، حتى وإن كانت تلك الأفكار إصلاحية وطفيفة، لذا يتوقف العرب في مكان بعيد هجرته المجتمعات الحديثة.
الخطوة الأولى للتقدم في طريق الألف ميل إذن تبدأ بتنمية وتطوير العقل العربي، هذا هو الحل الذي اتبعته المجتمعات الأخرى فتقدمت. في القرن الثامن عشر اشتغل المفكرون الفرنسيون على تطوير العقل الفرنسي لكي يتجدد ويخرج من أسره وإرثه القديم ونجحوا. الإنجليز بدورهم بدأوا بتغيير العقول في بلادهم في فترة مبكرة من القرن السابع عشر فتطوروا. اليابانيون بدورهم اشتغلوا على العقل الذي يندمج مع العصر وينتج الصناعات المتطورة الدقيقة ويتعاطى بوعي مع الحضارة نابذين تقديس الماضي مقبلين على الحاضر بشدة. اشتغلت كوريا الجنوبية التي كانت حتى وقت قريب متخلفة، على التعليم والتحديث فارتقت وأصبحت في مصاف الدول المرموقة.
العقل إذن يحرك المجتمعات الى الأمام، والعقل العربي يعيدنا الى الخلف عكس اتجاه العالم. في القرن الثاني عشر الميلادي مجد الفيلسوف العربي ابن رشد العقل واعتبره دالا على الحقيقة ومرشدا، لكن العرب لم يصغوا إليه أنظمة ورعايا. إذن هل كان العقل العربي مهيئا للنهضة في ثورات 2011؟ لا أعتقد ذلك، وقد كانت هذه الثورات عبثية بشكل أو آخر. كانت تلك الثورات محاولة للخروج من نفق الاستبداد الذي عاش قرونا، لكن المجتمع العربي لم يكن مهيأ لتغيير نوعي.
الأحزاب الأصولية المهيمنة قبل هذا التاريخ كانت تغذي عقول العرب بثقافة منتهية الصلاحية بائدة لا تنتمي الى المستقبل، والعقل العربي لديه الاستعداد والرغبة لقبول هذه الثقافة الى أقصى الحدود، وهي حدود متماهية عن العصر. كانت هذه الأحزاب تدعو الى أفكار مهترأة تجرنا الى الخلف. الجماهير العريضة بملايينها كانت، ولا زال الكثير منها واقعا تحت تأثير هذه الأحزاب التي أدت الى انقسام مذهبي حاد واحتواء أصولي، وتوجهات إرهابية. غني عن التعريف أن الاستبداد يستقر ويستمر في المجتمعات الجاهلة المغلقة، ويبنى على قواعد متينة من الجهل والتخلف. يذكر في هذا الخصوص حسب ما جاء في جريدة الشرق الأوسط في 2/‏12/‏2012 ما خلاصته أن هناك مليون أمي عربي في بلدان تعداد سكانها يفوق ثلاثمائة وخمسين مليون شخص.
كانت الجماهير العربية في هذه الثورات التي تحولت الى فوضى واحتراب أهلي، تندفع لطلب الانعتاق والحرية والتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتريد الانتقال من نظام أكدت الأيام فشله الى نظام جديد يزيح عن كاهلها الإرث الثقيل الذي يدمر حياتها. الذي حدث بعد ذلك كان صادما للجميع، حتى للجماهير التي أعلنت فرحتها وانتصارها للانتقال الى حياة ديمقراطية عادلة.
إذن هناك خلل في العقل العربي الذي يقبل أن تقوده أحزاب أصولية لا تملك حلولا واقعية متوازنة ومتآلفة مع العصر. هناك انسداد في شرايين الجسد العربي لا يسمح للدورة الدموية العبور الى العقل. هذا الانسداد التاريخي للعرب الذي يزيد عمره على ثماني قرون ظل قائما. عندما يتعافى العقل العربي ويرتقي الى مستوى العصر، ويتفهم منهج العصر، وأفكاره، ويستوعبوها ويتآلف معها لن تستطيع القوى الأصولية المنتمية الى الماضي بسط هيمنتها عليه فكريا.
إذن يجب تحصين العقل العربي، بتنويره كما فعلت الشعوب الأخرى في الغرب والشرق، وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا لا تنتشر وتهيمن القوى الأصولية على مجتمعات الغرب؟ لأن العقل الغربي ارتقى ثقافيا وامتلأ خبرة ليفكر بشكل منطقي لا يقوده الى الإضرار بمصالحه وحياته. المشكلة إذن كما يجمع عليها المفكرون العرب والغربيون تكمن في العقل العربي. يجب أن نحرث هذا العقل البائس، ونمنحه تربة جديدة وبذور جديدة ليفكر بالمنطق ويستدل طريقه بالعقل، دون تبعية مطلقه لمؤسسة أو شخص.
تخلصت المجتمعات العربية من أنظمة استبدادية، لكنها دخلت  في حروب أهلية، أو أصبحت مجتمعات منقسمة متناحرة. إثر ذلك بدا واضحا جدا أن هناك خللا كبيرا تشكو منه هذه المجتمعات يؤدي الى انتكاسات مستمرة. ينهض العرب قليلا، ثم ينكفئون الى الوراء كثيرا. العرب يذهبون الى الماضي دون توقف وبهمة وانفعال وشراسة وعنف. إصرارهم على هذا الذهاب، هو سبب الانسداد التاريخي، وهو انسداد مرشح لأن يبقى ربما لفترة طويلة، بحكم الأمية الأبجدية والأمية الثقافية الأوسع انتشارا، علما بأنها هي الأكثر أهمية للتغيير. أول الدروس التي نتعلمها من الثورات الأخيرة، هي تحرير العقل العربي وتطويره عبر استنفار أو ثورة ثقافية.
الديمقراطية هي أكثر نجاحا في المجتمعات الأكثر ثقافة وحضارة. ومن هذا المنظور نستطيع أن نلاحظ أنها بدأت في الوطن العربي في شكلها الجنيني، في البلدان الأكثر ثقافة وتحضُّرا، مثل مصر والعراق. وفي النطاق العالمي ازدهرت الديمقرطية في المجتمعات الغربية الأكثر ثقافة وتحضُّرا وانفتاحا مقارنة ببلدان العالم الأخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا