النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10837 الاثنين 10 ديسمبر 2018 الموافق 3 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

من سيبني البحرين؟

رابط مختصر
العدد 10779 السبت 13 أكتوبر 2018 الموافق 4 صفر 1440

يواجه العالم العربي تحديا كبيرا في دفع جميع الناس للعمل، وفي بعض الدول لدينا الملايين من الشباب يتخرجون من المدارس والجامعات إلى أرصفة البطالة مباشرة، وفي دول أخرى هناك الآلاف من الوظائف التي يتعين القيام بها، ولكن المواطنين لا يفضلونها، فتكون النتيجة ركودا اقتصاديا وقوى عاملة لا تعمل.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي يصعب على صناع القرار التنموي العثور على عدد كاف من المواطنين الراغبين في القيام بالأعمال الأساسية التي تشكل حجر الأساس بالنسبة للاقتصاد وتستوعب العدد الأكبر من العمالة، مثل العمل في قطاع الإنشاءات والنقل والتجزئة، رغم أنه لا يمكن لكل شخص أن يكون طبيبا أو محاميا أو رجل أعمال، فالمنطقة تحتاج إلى مهندسين وطيارين ومصرفيين مؤهلين، ولكنها تحتاج أيضا إلى نجارين وميكانيكيين.
لقد حفر والدي في ذهني فلسفة إلقاء كل طاقتي وشغفي في عملي، القيام بأي عمل تحبه، والسعي دائما لتكون الأفضل فيه، وأنه لا ينبغي أن يكون الأمر متعلقا فقط بتسجيلك دواما لمدة تسع ساعات في أية مهنة تعمل بها، والقيام بالحد الأدنى من الأمور ثم العودة إلى المنزل، بل يجب عليك الاستيقاظ بكل حماس وتفانٍ لتحقيق أقصى استفادة من العمل، وفي نهاية اليوم يمكنك العودة إلى العائلة التي تحبها، منزلك هو المأوى الخاص بك، ولكن عملك هو الرزق الذي يؤمن لك استمرارية وتطور هذا المأوى.
تطلب الأمر مني سنوات عديدة قبل أن تثمر جهودي في كسب المال، لقد عملت في بداية حياتي في بقالة أبيع البضائع على البيوت المجاورة، كما عملت مندوبا لبيع المراحيض، وأمورًا أخرى كثيرة قبل أن ينتهي بي المطاف في ليبيا أبيع الموسوعات! لقد عملت لسنوات طويلة حصلت في بعض الأحيان على عوائد جيدة لكن في أحيان أخرى كنت أعود دون نتيجة إلى شقتي الصغيرة الممتلئة إلى السقف بمنتج لا يريده أحد.
هل أحب عملي رغم الإحباطات والنكسات؟ بالتأكيد أحبه؛ لأن لدي اعتقادا راسخا بأنني كنت في بداية طريق يمكن أن يأخذني إلى أشياء أكبر، إضافة إلى أنه كان يتوجب علي إعالة أفراد من أسرتي.
قليل من الناس يتخرجون ويذهبون مباشرة إلى مهنة أحلامهم، لكن هذا ليس أمرا جيدا في جميع الحالات، فقد ننهي المدرسة أو الجامعة بعقول مليئة بالنظريات والحقائق، لكن علينا أولا أن نغرس في أنفسنا أخلاقيات العمل، علينا أن نطور الحافز الذاتي الذي يمنحنا الثقة عندما نصل أخيرا إلى القمة في مهنتنا وربما قيادة فريق أو قسم، إذ ينظر إلينا الآخرون قادة موجهين لديهم رؤية.
هناك عادة حميدة عند بعض رجال الأعمال الكبار، إذ يحرصون على أن يعمل أولادهم منذ نعومة أظفارهم في مهن وضيعة، وعندما يتخرج أولادهم من أرقى الجامعات لا يوظفونهم في شركاتهم مباشرة، وفي حال فعلوا فإنهم يوظفونهم في أصعب الأقسام، ويوصون بمعاملتهم بشدة وحزم ومعاقبتهم في حال التقصير بشكل مضاعف، وذلك حتى يضمنوا أن أولادهم باتوا يدركون أن الحياة ليست سهلة، ولا يبددوا الثروة عندما تنتقل إليهم.
لا أحد منا كبير جدا لبدء حياتنا المهنية بعمل متدنٍ نسبيا، لقد طور الجنرال في الجيش صلابته وعزيمته من خلال البدء في أكثر مستويات المبتدئين، وخوض التدريبات الشاقة من الصباح إلى المساء مع مدربين غلاظ يصرخون في وجهه طوال الوقت، وقد يكون الباني الرئيس والمشرف على المشاريع الكبرى قد بدأ متدربا في البناء، حيث قضى معظم يومه في حمل الأحمال الثقيلة في موقع المبنى.
عندما ندفع للبنائين البحرينيين أو النجارين، تعود هذه الأموال إلى عائلاتهم وتعود من خلال اقتصاداتنا، فتدور الأموال ويتحرك السوق، أما عندما ندفع لعامل جنوب آسيوي، فسيتم تحويل جزء كبير من أجره إلى موطنه الأصلي، ويصبح اقتصادنا مثل الغربال الذي نصب فيه الموارد من الأعلى لكنها تتسرب بسرعة دون الاستفادة المثلى منها.
في الواقع، البحرين في حالة أفضل بكثير من العديد من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، فليس من المستغرب أن أجد شابا بحرينيا يملأ البضائع للزبائن في الأكياس عند المحاسب في السوبرماركت، وفي الحقيقة لا أحد يمضي سنوات دراسته وهو يعتقد أن اجتهاده الدراسي سيفضي به إلى تعبئة البضائع للزبائن في سوبرماركت، ولكن لا يوجد ضرر في هذا العمل أول وظيفة خلال أوقات العطل الدراسية، لكسب بعض المال السهل واتقان أساسيات الالتزام في العمل وأخلاقياته.
وبالمثل، ينبغي النظر إلى البنيان والنجارة وإصلاح المركبات على أنها مهن يمكن أن تكون خلاقة، وتفي بالغرض من الوظيفة. نعم، يجب أن نبدأ من أسفل السلم المهني ونقضي فترة كافية من الوقت هناك، للتحلي بالفعالية والانضباط اللازم والمهارات التي ستخدمنا بشكل جيد في وقت لاحق من حياتنا المهنية.
عندما أقوم بتوظيف أشخاص، أبقى بعيدا عن أولئك الذين لديهم سير ذاتية فارغة ويقولون لي إنهم لم يتمكنوا في السابق من العثور على وظيفة يريدون القيام بها، وأنا أفضل أن أوظف شخصا يعمل لمدة عام أو عامين في جمع القمامة، أو حارس أمن، ومن الذين يرمون أنفسهم في أي مهمة يتم منحها لهم، وأنا بالتأكيد لا أريد هؤلاء الأشخاص الذين سيرفضون بعناد تنفيذ مهمة لأنها صعبة للغاية أو لا يستمتعون بها أو يشعرون أنهم أكبر منها.
بالمقابل، علينا مجتمعا أن نضمن أن يحظى المواطنون بالذين يعملون في أنواع محددة من المهن بعائد مادي جيد واحترام اجتماعي، ربما يكون علينا أن ندفع لميكانيكي بحريني أكثر قليلا من ميكانيكي إندونيسي، إذ إن أجور البحريني ستعاد استثمارها في اقتصادنا، قد لا ندرك ذلك عندما ندفع البحريني لطلاء منازلنا، لكن في نهاية المطاف الأموال التي دفعناها تتدفق عبر الاقتصاد وتعود إلينا بشكل أو بآخر.
لم تصبح أي حضارة كبيرة في وقت مضى بسبب المحامين والمحاسبين ومديري البنوك، ولقد تم بناء الدول الناجحة دائما على طاقات القوى العاملة لديها، من الرجال والنساء الذين يمدون سواعدهم جسرا لتنهض بلادهم من الأسفل إلى الأعلى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا