النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

عن ثقافة المبادرة والإبداع

رابط مختصر
العدد 10770 الجمعة 5 أكتوبر 2018 الموافق 25 محرم 1440

   الحديث عن المبادرات الوطنية الكبرى لا يُفترض أن يقع ضمن إطار زمني محدد، وإنما ينبغي أن يكون فيها وعنها مفتوحًا على مدى أوسع وأفق أرحب، غير أن هذا لا ينفي أن يكون الزمن ضابطًا إيقاعَ تنفيذ هذه المبادرات وتحقيق أهدافها في زمان بعينه ومكان مخصوص طلبًا لمكانة لا تبلغ بالأمنيات الجميلة فحسب، بل بالعمل الجاد المثمر المسلح برؤية استشرافية تخترق حجب الزمان فتصنع من الأحلام واقعًا جميلًا لا نملك ونحن ننعم بخيراته إلا أن نعبر عن امتناننا لكل من كان فاعًلا في تشكيل هذا الواقع الجميل تصورًا وتخطيطًا وتنفيذًا ومتابعة وتقويمًا. من هذه المبادرات الوطنية مبادرة (فكرة) وهي المسابقة الوطنية التي أطلقها صاحب السمو الملكي الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد والمخصصة لموظفي القطاع الحكومي، كمبادرة غايتها الرئيسة تعزيز ثقافة الإبداع والابتكار باعتبارها محركًا رئيسيًا للتطوير وبلورة الأفكار الخلاقة التي ترتقي بمستوى العمل والإنجاز.
   المبادرة وطنية بحق وتستحق منا جميعًا، جهات رسمية وشعبية، الدعم والمساندة لبلوغ المقاصد التنموية المرتكزة على مبادئ رؤية البحرين 2030 الاقتصادية، أي الاستدامة والتنافسية والعدالة. لهذا فإني أجد أن الزمن لا يوارب أبوابه أمام الحديث عن هذه المسابقة التي يُعوَّل عليها في دعم العمل الحكومي وتطويره من خلال موظفي القطاع العام أنفسهم؛ إذ أنهم الأقدر على تعرف التحديّات والمعوقّات ووضع الحلول الابتكارية لها. وكم تمنيت لو اتسع نطاق الجائزة ليشمل المتقاعدين الذين خرجوا من أعمالهم حالمين بآفاق في التطوير رحبة تجلت معالمها واضحة لهذه الفئة من الموظفين بحكم ما راكموه من الخبرات التي أعتقد جازمًا أن فيها حتمًا ما قد يفيد المبادرة ويدعم مقاصدها الوطنية النبيلة.
   الفكرة أو الأفكار في صيغة الجمع هي في الغالب الأعم مُنجز ذهني تسبقه حالة من التأمل العميق، وحدث في التاريخ البشري أن سبقت فكرة ما التأمل، وذلك حين يكون الإنسان دقيق الملاحظة متيقظ الحس ثاقب الرؤية، مثلما حصل مع نيوتن وتفاحته الشهيرة التي سقطت من الشجرة أمامه فاكتشف من خلالها قانون الجاذبية بعد أن رصد حركتها الفيزيائية التي انتهت إلى الأرض، وكذلك الحال مع أرشميدس الذي كشف قانون الطفو بعدما لاحظ كمية المياه المندلقة من حوض الماء الذي إليه قفز، فتأتي حالة تأمل الملاحظة وتبصّرها بعد ذلك لتعميق الفكرة الملتقطة من رحم الملاحظة. هذا ليس بحديث فلسفي مقطوع من سياق المقال، بقدر ما هو تأمل شخصي وتأصيل موضوعي عقلاني شخصي لمبادئ الابتكار حال الإعلان عن المسابقة.
   إرهاصات التفكير الإبداعي والابتكاري تتخلق أول ما تتخلق من الملاحظات التي تستوقف موظفي الدولة في أماكن عملهم، وهي كثيرة، ولكن غياب المحفزات والإغراءات، وشيء من البيروقراطية التي تجعل احتكار رسم السياسات وصوغ الخطط على الجهات التنفيذية العليا في كل وزارة أو هيئة حكومية على حدة، لا تدعهم يطيلون التفكير فيها، أو يستعذبون العمل الابداعي، فتذهب هباءً منثورا، وتضيع من ثمّ فكرة مبادرة قد يكون في تفعيلها مكسب كبير. إذن، فمسابقة الابتكار الحكومي تعطي الدافع وتحفز الموظفين على تطوير الأعمال المنوطة بهم. فليس هناك أدرى من الموظف بأسرار بيئة عمله وتحدياتها. فكما للمهندس مشاكل مهنية تعوق إنجاز مبتكراته وسعيه للحد من هذه المشاكل، فإن للطبيب وأيضًا للمدرس وأساتذة الجامعات والموظفين، الكبير منهم والصغير، وغيرهم في مواقع العمل المختلفة في وزارات الدولة وهيئاتها مشاكلهم التي لا عدّ لها ولا حصر. فمسابقة (فكرة) تدعم تطلعات الموظفين على اختلاف درجاتهم لكي يكونوا أكثر إنتاجية وأكثر ابتكارًا في مجالات عملهم.
    مسابقة الابتكار الحكومي (فكرة) هي نفسها فكرة متقدمة لتحفير الابتكار وإيقاظ الإبداع؛ إذ أنها تفتح الباب للمنافسة على خلق الأفكار التي من شأنها أن تجوّد العمل لجهة الخدمات المتطورة المقدمة للمواطنين، أو لزيادة الإنتاجية وسد منابع الهدر المالي، أو استحداث فرص عمل جديدة منتجة أو أفكار تسهم في تقليل النفقات مما يساعد الدولة على توجيه إنفاقها بشكل أكثر علمية. المسابقة تستدعي مجموعة أفكار ورؤى مبتكرة من شأنها أن تساعد على التغلل على المعوقات، وتحسين بيئات العمل وزيادة الإنتاج..
   مع هذه المبادرة الوطنية يبقى الأمل معقودًا على دفع الوزارات والهيئات الحكومية موظفيها وتحفيزهم على المشاركة في هذه المسابقة الوطنية وتوفير السبل الكفيلة بتذليل العقبات أمامهم للتفرغ لدراسة معوقات زيادة الإنتاجية، وتجويد الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين. وفضلا عن كل ذلك، فهذه المبادرة لا ينبغي أن تكون لها نهاية زمنية إلا فيما يتصل بأزمان الإعلان عن بدايتها وتقديم العروض، وأعني بهذا القول أن تكون مسابقة سنوية ليست الفترة الزمنية لسنة 2018 - 2019 إلا عنوان ولادتها؛ إذ ينبغي أن تعاد هذه المسابقة في فترات زمنية مستقبلية؛ ذلك أن حالة الإبداع والابتكار لا تنتهي أبدًا طالما كان هناك عمل مستمر، فالأفكار الخلاقة قدرها أن تتحدى مكر الزمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا