النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10840 الخميس 13 ديسمبر 2018 الموافق 6 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:51AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

حنامينه.. مأساة أمة «2»

رابط مختصر
العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439

أجدني مع وفاة الكاتب الكبير حنامينه أمام أسئلة كثيرة محيرة، إذ لم نعد متفائلين كما أراد لنا هذا الأديب ونحن في ريعان الشباب. لقد دب اليأس فينا بعد إنكسارات متتابعة، وإختلطت  علينا الأمور، (وتكسرت النصال على النصال)، ولَم يعد في مقدورنا إلا تعداد هزائمنا. كنت أعتقد أن حنامينه هو آخر من ييأس وينكسر لشد ما بث فينا من يقظة وبأس. لكن الأمل يتآكل مع الزمن ويذوب مع العمر والشيخوخة، وهي بدورها مذلة تصاحب اليأس بحكم التحولات الفسيولوجية في الجسد، حيث يخفت لدينا التفاؤل ونصير الى التفكير العدمي البائس. إنها مساوئ الشيخوخة وأقذارها، وهناك شيخوخة المجتمعات العربية التي تحتظر.
غالبا ما يريد أديب مثل حنامينه، في شيخوخته الشعور بالتقدير والاهتمام، وأسوأ ما يعذبه في هذا العمر أن يلتفت من حوله فلا يجد أحدا بعد أن كان الآلاف يحيطون به إعجاباً. تلك كانت نهاية الرجل الشجاع حنامينه، الذي تنقل من حي (المستنقع) الذي عاش فيه طفلاً الى مستنقع الحياة الشاسع شاباً وكهلاً وشيخاً.
عرف حنامينه عبر عقود مهنا يعمل فيها الفقراء والمحتاجون والمهمشون فاغتنت مفكرته بالأحداث المؤلمة والصعبة. ومن العتالة في الموانئ الى صبي في صيدلية، الى أعمال وضيعة أخرى. منحته هذه الأعمال التي يمتهنها البسطاء خبرة للكتابة، عرف خلالهاً معاناة الناس، فجاءت كتاباته عنهم صادقة ومعبرة.  
عاش حنامينه تحت هيمنة سلطة أجنبية مستبدة إبان الإحتلال الفرنسي، ثم عاصر سلطة وطنية أشد استبداداً، وختم حياته  بحرب أهلية يقتل ويتشرد فيها الملايين، هو الذي كان يأمل بشيخوخة هادئة تتحقق فيها بعض أحلامه، إن لم تتحقق كلها. ما كان لحنامينه، الكاتب الذي ظفر بإعجاب ملايين القراء العرب، أن يجد نفسه في عزلة، وحيداً في منزل بعيد تغمره الكآبة. لم تكن هناك آمال خاصة لهذا  الكاتب الذي كانت كتاباته تلامس أحزاننا وأشواقنا، وتبعث فينا الدفء والحياة. لا آمال خاصة لأمثال حنامينه الذين كرسوا حياتهم للآخرين سواء بالنضال أو الكتابة، حيث تذوب آمالهم الخاصة في الآمال العامة للملايين.
كان حنامينه يأمل ان  يرى بلاده في حالة أفضل بعد صراع مرير مع الإحتلال الفرنسي، لكن الحكم الوطني خذل آماله، فإنتقلت سوريا من الاستقلال الى الاستبداد، ثم كان الأكثر سوءا؛ سوريا وهي تتحول الى أنقاض.  
لا نستطيع أن نفهم عذابات حنامينه خارج هذه التضاريس والمجازر والتمزق والانهيار السوري والعربي. سوريا بلاد المجد العربي الأول تتهاوى أمام عينيه، والمرض يأكل أطرافه، والشيخوخة تحاصره.
رغم كل ذلك كانت سيرته سيرة كاتب شجاع علمنا الرجولة والصبر وزرع من حولنا مشاتل الأمل. ولم يكن حنامينه كاتبا عاديا أنجبته السياسة وضُخِّمت مكانته، فقد ملك الموهبة قبل أن يعتنق الأيديولوجيا. كان هو ذاك المزيج من الفكر والموهبة الذي ينجب الأفذاذ والخالدين. ولَم يكن إنتشاره الواسع في الوطن العربي، بسبب أفكاره اليسارية فحسب، بقدر ما هو نتاج موهبته الكبيرة، فهناك كتاب كثر من مجايليه اعتمدوا على الإيديولوجيا فقط لم يحظوا انتشاراً، ولا مكانة مثله. وأعتقد أن إنحسار قراءته الذي ربما آلمه كثيراً يرجع في الدرجة الأولى الي انحسار القراءة في الوطن العربي، بعد أن كانت منتشرة في عقدي الستينات والسبعينات. ماحدث كان انحساراً عاماً عن كل الكتاب العرب، وكان لنا هنا في البحرين نصيب منه، وقد عانينا من ذلك، وسبب احباطاً لنا. كنا نطبع في الستينات والسبعينات ثلاثة آلاف نسخة من المجموعات القصصية فتنفذ نصف الكمية خلال ستة شهور، والنصف الآخر يبقى بضع سنوات قليلة. ومنذ عقدين تقريباً صرنا نطبع ألف نسخه فقط لا تنفذ في سنوات ليست قليلة. وأذكر هنا أن حائز جائزة نوبل نجيب محفوظ الذي يقرأه كل العرب كان يطبع بضعة آلاف من كتبه لأمة عدد سكانها يعد بعشرات الملايين. لهذه الأسباب لا يعيش الكتاب العرب حتى الأكثر شهرة من مبيعات كتبهم كما يحدث في الغرب. كان نجيب محفوظ موظفا صغيرا يعيش من راتبه القليل. ويعيش الأدباء والنقاد العرب المعروفون من التدريس في الجامعات، وبعضهم يعملون في أعمال أقل شأناً من ذلك. لم يستثن حنامينه من هذه القاعدة، فعاش على الكفاف والدخل المحدود، ومات في منزل بسيط صغير، حاله كحال البسطاء الذين أحبهم وأحبوه، ومثلهم عاش ومات متألماً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا