النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10842 السبت 15 ديسمبر 2018 الموافق 8 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الغجر وحكاية المسمار الرابع 3/‏3

رابط مختصر
العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439

 دون شك كان الغجري فرحا بالمبلغ فانهى صنع المسمار الرابع ، وتركه جانبا ليبرد ثم صب الماء فوقه ، ولكن الماء أزّ وتبخر وبقي المسمار متوهجا أحمر كما لو كان لا يزال في الكورة ، فاستمر الغجري في صب الماء وهو خائفا ولكن المسمار ازداد توهجا ، وكأنه جسم يتفجر دما، وخيم الظلام على المكان فخاف الغجري خوفا شديدا فأقتلع خيمته ووضعها على حماره وهرب إلى الصحراء ، ولما توقف لينصب خيمته رأى المسمار على الأرض وهو لا يزال متوهجا شديد الاحمرار (رمزية دم المسيح)، فهرب الغجري مرة اخرى إلى جوف الصحراء حتى وصل إلى احدى القرى العربية ونصب خيمته هناك ، ولكن المسمار كان يتبعه (رمزية اللعنة)، ثم جاءه إعرابي في الصباح طالبا منه إصلاح طوق عجلة حديدية، فأخذ الغجري المسمار واستعمله لهذه الغاية (العجلة رمزية للدوران والحركة في قافلة الغجر)، وسار الاعرابي في سبيله مع الطوق الحديدي، وسافر الغجري بعيدا حتى وصل دمشق، وبعد عدة اشهر جاءه شخص بنصاب سيف لاصلاحه، فاوقد الغجري كورته فاذا بمسمار النصاب يتوهج أحمرا قانيا، فقلع الغجري خيمته وفر هاربا.
ولا زال هذا المسمار يظهر في خيام سلالة ذلك الغجري الذي صنع المساميرالتي صلب بها عيسى بن مريم ، ويهرب الغجر كلما ظهر لهم المسمار ، ولهذا السبب نجد الغجر يتنقلون من مكان إلى آخر ، ولهذا السبب أيضا صلب عيسى بن مريم بثلاثة مسامير، ولا زال المسمار الرابع تائها في هذا العالم الواسع ،،.
ومن الناحية الدلالية تطارد الغجر اللعنة ويلاحقهم الموت والعقاب نتيجة فعلتهم الملعونة . هذا الشعور الداخلي بالتأنيب يخامر غالبية الغجر في ثقافتهم ومعتقداتهم، ولكن من شاهد واستمع للغجر في الاندلس والمدن الجنوبية ،فإنه سيتعرف هناك على نمط من غناء الفلامنكو يسمى السائيتا (saeta) وهو واحد من انواع الفلامنكو ترتبط به بشكل فرعي انواع اخرى من انواع الفلامنكو مثل (siguirillas) سيغرياس و (soleare) سوليارس، غير أن هذا اللون الغجري من الفلامنكو ممتزج بالروح العربية والعبرية وهو شكل موقر من الاغاني الدينية الاسبانية ضاربة في القدم ، وتستعمل في المواكب العامة أو ركب القوافل ، فكان منسجما مع الروح الغجرية ومعاناتها كونها اقرب للندب والنواح والانين، فيخرج كل عام غجر المدن الاسبانية في عيد الفصح للغناء بهذا النوع من الفلامنكو، فالغجر في هذا اللون من الغناء يعتبرون المسيح أخا لهم بعاطفة أليمة مرتبطة بنزع الموت، ويرون أن العالم ، صلب الغجر ، كم تم صلب المسيح وهم يتجرعون معه ومن أجله الالام وطريقه الابدي.
وقد كتب الشاعر الاسباني الكبير الاندلسي انطونيو ماتشادو (ولد يوليو 1875 توفى فبراير 1939) قصيدة (السائيتا) حيث يمتزج في ابياتها الالم والارض والاندلس والمسيح وهو في النزع الاخير قبل الموت.
وقد غنى تلك القصيدة مانويل سرات فنان اسباني معروف عام 1974 قبل سقوط فرانكو ، فكانت اسبانيا وشعبها في تلك الحفلة شبيهة بالمسيح ودمه وآلامه في زمن الدكتاتورية.
قد نشاهد مع الغناء رقصا من ذاك النمط ، ولكنه رقصا دراميا والعزف جنائزي ـ كحالة المسيح عند الصلب وبعده ـ بخلاف انواع الفلامنكو الراقص بروح الفرح والحيوية، فصراخ الغجري البعيد والعميق هو غناء الغجر للاندلس، للربيع والمسيح وانفسهم وحياتهم على طريق الالام والانين . تلك الكلمات في اغاني الغجر في الاندلس وعيد الفصح، تنقلك لمسيرة ومعاناة الغجر مع المسيح ، غير أنها لن تكون تأنيبا ابديا للمسمار الضائع كضياعهم في هذا الكون.
اخيرا انتشرت هذه الاسطورة مع الوقت بأساليب متعددة بين مختلف الغجر ، وظلت من مدخرات غجر مقدونيا ، حيث كانت تسرد يوميا على مسامع الجلاس حول نار المخيم في الامسيات، كما أدعى غجر الدانوب بأنهم من سلالة اولئك الكفرة الذين قتلوا أطفال بيت لحم ورفضوا مساعدة العذراء مريم في هجرتها لمصر، وأنهم هم الذين أشاروا على يهوذا بخيانة السيد المسيح (تلك ورطة غجرية اخرى !! وفق الاسطورة)، واخيرا قاموا بصنع مسامير الصليب. والاروع هم غجر سبيريا الذين يقولون أن اجدادهم أكتفوا بسرقة المسمار الرابع.
ولربما المسمار الرابع مدفون تحت ثلوج سيبيريا، سيجده الروس ذات يوم بعد استخراج النفط من هناك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا