النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10782 الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 الموافق 7 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

في السيادة العراقية المسلوبة...

رابط مختصر
العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439

 عندما يجري الحديث عن العراق - وهو البلد الذي بالكاد أُرغم برلمانه على النجاح يوم السبت الماضي في اختيار رئيس له في انتظار اكتمال العمل في دهاليز المتحكمين في القرار العراقي على إعداد الطبخة الطائفية بحثًا عن الكتلة الأكبر التي سوف يسند إلى ممثلها رئاسة الحكومة، وبالمناسبة لا يفوتني التذكير بأن هذه الكتلة يحددها هي الأخرى ما يُطلق عليها تفاهمات طائفية - فإن لإيران مساحة واسعة في هذا الحديث، وحضورها فيه كثيف، باعتبارها فاعلًا مؤثرًا في تحديد هوية رئيس الحكومة، بل إن هذا التأثير يمتد إلى تحديد التشكيلة الوزارية برمتها. ومثل هذا الواقع الذي بات يحكم سياسة شؤون الدولة العراقية يجعلنا نتساءل إذا ما كان هذا التأثير أمرًا عاديًا للأمن العراقي قبل الأمن القومي العربي، أو إذا ما كان تهديدًا صريحًا له وبالتالي للعرب أجمعين؟
 إن مثل هذا السؤال لم يكن مطروحًا من قبل في كل تاريخ الحكومات العراقية منذ تأسست الدولة العراقية في عام 1921، أي بعد ثورة العشرين مباشرة، وإنما هذا مستجد حضر مع حضور نظام المحاصصة الطائفية الذي تتبناه أحزاب الإسلام السياسي، وخصوصًا الأحزاب الشيعية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنظام ولاية الفقيه، وهي الأحزاب التي جاءت بها أمريكا إلى السلطة لتأسيس حكم «ديمقراطي»! ولهذا فإنه منذ العام 2003، لم يبارح الخطر العراق وارتفع منسوبه عندما أسقط نظام صدام حسين، واعتلت الأحزاب الدينية السياسية صهوة السلطة ومارستها بنهم وعطش جعل كل الأمراض الممكنة تسم الواقع العراقي بدءًا بالفساد الذي يعصف بالدولة وانتهاء بالاقتتال الطائفي الذي يؤذن بتفتيت ما كان مجمعًا في بلد أنهكته الدسائس والمؤامرات والأطماع، فغدا نهبًا مباحًا لجار إيراني وجد ضالته في أحزاب دينية وتشكيلات إجرامية رد بها الصاع صاعين لبلد لم ينس يوما أنه كان معه في حرب طاحنة لم تلتئم جراحها إلى حد الساعة.
 لا أقارن في حديثي هذا بين نظام صدام حسين والنظام الحالي فالمقارنة هنا ستكون حتماً لصالح نظام صدام رغم المآخذ الجمة عليه والتي لا يجهلها أحد، كما أني لا أقول ذلك حبًا في نظام الأخير ولا حتى أنني أحاول أن أبرئ ساحته من المساهمة بطريقة أو بأخرى في كل الأخطار التي حاقت بالعراق والإقليم، ولكن دافعي هنا خوفي على هذا العراق ذي الحضارة والتاريخ الناصع بياضًا من المصير المجهول الذي يقتاده إليه حكم المحاصصة الطائفية الذي تتبناه أحزاب الإسلام السياسي، شيعية كانت أم سنية، والفساد الذي ينخر في جسم هذه الدولة، وتزايد النفوذ الإيراني مع الفقدان المتدرج والمخيف لاستقلالية القرار الوطني العراقي، مما يجعل الخطر قائمًا ويتهدد بشكل مباشر دول الخليج العربي جميعها؛ خاصة بعدما اتضحت للعيان خيوط المؤامرة القطرية الإيرانية في إسقاط أنظمة الحكم المدنية في دول مجلس التعاون تمهيدًا لابتلاعها جريًا على ما جرى في العراق الجريح.
 الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العراق، في ظل الحكم المخيف الجاثم على صدور العراقيين، حالة فريدة من نوعها بالمقارنة مع الحالة العامة لبلدان الوطن العربي تستلزم العلاج الفوري، وخصوصًا تلك البلدان التي لم تتخلص بعد من موبقات «الربيع العربي» وعفونة مترتباته الكارثية على مجتمعاته، ولعلي هنا أسمي سوريا التي تقع تحت خطر التأثير الإيراني الطائفي المباشر الذي جلبه بشار الأسد ظنًا منه أنه سيساعده في تثبيت حكمه، وتلك التي نجحت فيها إيران في استزراع كيانات حزبية مهمتها الرئيسة نخر الدولة من الداخل وضمان تمدد إيراني قوي فيها، وأسمي هنا لبنان الذي بات منذ زمن أسيرًا لعصابة حسن نصر الله، الإرهابي الذي يجهر بعدائه للعرب وبانحيازه الكلي مع تبنيه لنظام الولي الفقيه.
 العراق اليوم في قبضة الأحزاب السياسية الدينية التي تدين بالولاء الكلي لإيران، وهذا الخطر الحقيقي على الحاضر وعلى مستقبل الأجيال القادمة. العراق اليوم لا يستطيع أن يعبر عن نفسه باللغة العربية، إن صوته مقموع ويوشك على أن يكون مقطوعًا! ولك أن تتصور كم أن حالة العراق اليوم غرائبية، فجائعية، ولك أن تتصور، أيضًا، أن زعماء لأحزاب طائفية كانت تحارب الجيش العراقي وتدافع عن النظام العبثي في إيران، واليوم هي التي تقود الجيش العراقي. ألم يكن نوري المالكي، وهو المسؤول عن كل ما يحتدم في المجتمع العراقي من المشكلات، قائدًا عامًا للجيش العربي العراقي؟ ثم ألا يُتداول على الألسن اليوم اسم هادي العامري رئيسًا للحكومة العراقية، وهو الذي حارب في صفوف الجيش الإيراني في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات ضد الجيش العراقي؟ العراق اليوم يبحث عن من يخلصه من سطوة رجال الدين وتحكمهم في مفاصل الدولة العراقية.
 فمن يكون هذا المخلص؟ وهل يمكن التعويل على رجال من نفس الأحزاب ذات النفس الإيراني والولاء المطلق لنظام الولي الفقيه؟ كلا، لن يأتي هذا الخلاص. فالخلاص لن يكون إلا بالابتعاد عن المحاصصة الطائفية، وإسناد تشكيل الحكومات إلى التكنوقراط من الذين لا يُدينون بالولاء للأحزاب الدينية السياسية أبدًا. في هذا الإطار يقفز السؤال الكبير الآتي: هل يستطيع العراق اليوم النأي بنفسه بعيدًا عن الأحزاب السياسية الدينية وسطوة زعمائها التي هي في الحقيقة تتغلغل في عمق المجتمع مع تراجع فكر التنوير وسيطرة الخرافة التي بواسطتها تحكم تلك الأحزاب؟! هذا السؤال أتركه لي ولك عزيزي القارئ لتخيل الإجابة عنه ضمن المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدولة العراقية ودول الخليج العربي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا