النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10782 الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 الموافق 7 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الــتراث الشــــعبي

رابط مختصر
العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439

لقد تشرفت باستلام هدية من الاستاذ محمد جمال في نوفمبر من عام 2015، الهدية ثمينة، وليس هناك ما هو أثمن من باقة من المعرفة مغلفة بدفتي كتاب، والكتاب الهدية عنوانه «معجم الألفاظ والتعابير الشعبية»، وهو من المعيار الأكاديمي الرصين، ويستند إلى واحد وستين مرجعاً في اللغة والتاريخ والجغرافيا. ومن مميزات موضوع الكتاب أنه حصر في التأليف على أبناء البحرين، حيث إن الألفاظ والتعابير الشعبية (البحرينية) التي تناولها المؤلف جمعاً وتحليلاً وربطاً بالجذور اللغوية والتاريخية والجغرافية، ليست بالمفردات التي تتواجد عامة في المعاجم اللغوية، بل هي في معاجم ألسن الشعب الذي توارثها أب عن جد. المعاجم اللغوية التقليدية والمتعارف عليها تتضمن جميع المصطلحات و المفردات التي تنتمي إلى لغة معينة، وعادة ما تكون هذه اللغة منتشرة على رقعة جغرافية كبيرة ودول متعددة، ورغم أن شعوباً متعددة تستخدم نفس اللغة إلاّ أن لكل شعب الفاظاً وتعابير عامية (شعبية) ليست معروفة لدى بقية الشعوب التي تتحدث بنفس اللغة (الرسمية) وهي ليست مدونة في المعاجم اللغوية التقليدية، ومن هنا تأتي الميزة الحصرية في تأليف هذا المعجم الذي أخرجه الأستاذ محمد جمال إلى عالم النور، عالم المعرفة والفكر والثقافة، فمثلاً ليس بإمكان باحث عربي غير بحريني، ضليع باللغة العربية وآدابها وثقافاتها، أن يلم بهذا الكنز الهائل من الألفاظ والتعابير الشعبية التي تخص الشعب البحريني، إلاّ من كان من نبت البحرين. إن المدخل إلى تأليف كتاب بهذا الموضوع بابه ضيق لا يسع لكل باحث ومفكر، ومن هنا تأتي القيمة المميزة لهذا السِفْرِ الفريد من جنسه الذي إجتهد فيه الأستاذ والباحث البحريني محمد جمال.
أن المسافة بين زمن استلام الهدبة وحاضر الكشف عنها تقارب الثلاث سنوات، ورغم أنه كان من الواجب الشخصي والوطني، والأهمية الثقافية والأدبية، التعبير عن الكتاب في حينه، إلاّ أنني كنت في حاجة إلى جسر يربط بين استلام الهدية وكتابة المقال (التعبير والكشف عن الكتاب). وتحقق بناء الجسر بتلك المحاضرة التي القاها استاذنا محمد جمال بعنوان «التراث والموروث الشعبي» في مجلس النائب الأسبق والمحامي يوسف زينل وبدعوة عامة منه.
مثلما أشرنا أعلاه، فإن موضوع «التراث والموروث الشعبي» لأي شعب، واستنباط المفردات والتعابير التي تخص موروث الشعب، ليس من المواضيع التي يمكن لأي باحث الخوض في غماره، وحتى الكثير من المفكرين والباحثين من أبناء الشعب ليس بإمكانهم خوض غمار هذه المواضيع التي تخص تراثهم الشعبي، لأن الموضوع مرتبط كذلك بالجيل الذي ينتمي إليه الباحث والمفكر، فالأستاذ محمد جمال، ولحسن حظه، ينتمي إلى ذلك الجيل الذي عاصر الموروث الشعبي بما ينطق من ألفاظ وتعابير لم يبق للكثير منها من أثر في حاضرنا، فمع تحول النمط الاقتصادي للبحرين من صيد اللؤلؤ والزراعة إلى هيمنة صناعة النفط وفروعها الصناعية والخدماتية تلاشت تدريجياً استخدام تلك الألفاظ والتعابير، لأن كل تراث وكل موروث لأي شعب مرتبط باللغة والمفردات التي يفرضها النمط الاقتصادي للشعب. إذاً مع هذه التحولات في النمط الاقتصادي وكذلك التطور العلمي و ما صاحبه من تحولات وتغييرات كبيرة في سبل الاتصال والتواصل، فإن الجهد الذي بذله الاستاذ محمد جمال يعد من الأعمال النادرة في تاريخ الأمم، فهو بهذا الجهد قد حافظ تدويناً وتوثيقاً على موروث شعبي (بحريني) كان عرضة للضياع، فبعد جيلين من جيلنا، والاستاذ محمد جمال معنا، الذي عاش بحرين اللؤلؤ وبحرين النفط، بحرين ما قبل الكهرباء وبحرين ما بعد الكهرباء، بحرين ما قبل المذياع إلى بحرين التلفاز وشبكات الاتصال العنكبوتي، ومن بحرين الجار للجار إلى بحرين الجاهل للجار، سوف لن تبقى في خزينة الذاكرة للأجيال من بعدنا أي أثر لتلك المفرات والألفاظ والتعابير، وهي جميلة رائعة ونحن نستذكرها، وتلك الذاكرة رغم جمالها إلاّ أنها ترهق نفوسنا لأنها غائبة عن أسماعنا ومنقطعة عن ألسنتنا. إن الجيل الذي ينتمي إليه الأستاذ محمد جمال هو الجيل الحافظ للموروث في الذاكرة وهو الجيل القادر أن يحفظ هذا الموروث من الضياع للأجيال القادمة، وجعل الموروث خالداً في سجلات التاريخ. فهذا هو العمل الذي قام به أستاذنا الجليل محمد جمال.
أما المحاضرة فقد كانت استرجاعاً حيّاً لذلك الموروث الشعبي الجميل، واستطاع المحاضر أن يجعل الماضي بحنينه الموروث حاضراً بين الحضور، فألهبت المحاضرة حنين الحضور إلى الماضي الموروث. وبعض من الحضور، من جيل النفط و الكهرباء، كانت المحاضرة بالنسبة لهم موضوعاً معرفياً وثقافياً يستحق الإهتمام مع التقدير للأستاذ المحاضر.
 كان اللقاء بين المحاضر والحضور، كالساحر والمسحور، المحاضر، بسليقته الفطرية ومكتسباته المعرفية وجهوده البحثية، يتحمس ويبدع في مخرجات المعارف المكنونة في كنوز التاريخ الشعبي، والحضور جمع مندهش مشدود إلى كلمات المحاضر، وهي تجري من لسانه جريان ماء النهر، صامت هادئ شاخص النظر في شخص المحاضر وهو يتحفهم بدرر من المعرفة، معرفة هي جسر بين الحاضر والماضي، جسر من مادة اللغة العربية بألسنتها القديمة وبألوانها البلاغية وتشكيلاتها الشعبية وأصول الفصاحة منها وفيها. (كان الحضور يَتَصَوَّخُ إلى المحاضرة وهو في صَخَّةٍ تامة).
 المحاضرة مرآة لصاحبها، فالمحاضر أثبت أنه دائرة معارف في موضوع التراث الشعبي في البحرين، وهو الضليع بما جادت به إرهاصات الألم والأمل، لحظات الحزن والفرح، في حياة الإنسان في البحرين عبر التاريخ. موضوع المحاضرة بحر لجاج، بحر من المعرفة، وعمق بلجة البحر، والبحر اللجاج ليس لكل من هب ودب، وقلة من الرجال هم سادة البحار، والأستاذ محمد جمال أثبت أنه أهل للجة البحر وقادر على التصدي لأهواله. وتميزت المحاضرة بطابع خطابي، قَرَّبَ المسافة بين المحاضر والحضور، فكان النَفَسُ الخطابي هو روح المحاضرة، بمعنى أن المحاضر كان متحمساً لموضوع المحاضرة، ويقدم المحاضرة من موقع المسؤولية الأبوية.
والكتاب سجل تاريخي ـ لغوي ـ شعبي مهم، ومهم جداً، أن يتواجد في كل مكتبة وفي كل مدرسة وجامعة وفي كل بيت، وأستاذنا الجليل محمد جمال قد قدم للبحرين، دولة وشعباً، خدمة وطنية وثقافية وعلمية كبيرة، وهو بهذا العمل يستحق من شعب البحرين وسام التقدير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا