النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

هل تعيد البصرة كتابة تاريخ العراق؟؟

رابط مختصر
العدد 10751 السبت 15 سبتمبر 2018 الموافق 5 محرم 1439

ما شاهدناه وقرأناه وسمعناه عن مدينة البصرة اليوم وأحوالها المتدنية جعلني أعود بالذاكرة الى عام 1978 عندما كتبت مقالا عن مدينة النخيل الباسقات، أتغزل في البصرة رائعة الجمال وكان بعنوان «اللي ما شاف البصرة.. يموت حسرة». لقد عانت البصرة وخسرت الكثير من مفاتنها وروعتها وجمالها خلال الحرب العراقية – الإيرانية، ثم نالت منها حرب تحرير الكويت عام 1991 بعد غزو العراق للكويت، لأكتب مقالا آخر عن البصرة عام 1992 بعد تدميرها بعنوان «اللي يشوف البصرة.. يموت حسرة». وما بين المقال الأول وحتى يومنا هذا يكون قد مر نحو 40 عاما تبدلت فيها الحياة في البصرة الفيحاء، شريان العراق الاقتصادي، وثغره الباسم، مدينة النخيل والحناء بأهلها الطيبين وتاريخها الزاخر بالأمجاد حيث كانت دوما محلا للعشاق، ولهذا سكنها الشعراء والكتاب والفنانون. فالبصرة المعروفة بـ«الفيحاء» اشتهرت ببلد النخيل والأنهار والجداول، والطيبة، حتى وصفوها بـ«بندقية العرب» لكثرة ترعها وسواقيها وشطوطها وجداولها ومياهها الغزيرة وآبارها العذبة.
أما سحر الطبيعة فيتوفر في غابات النخيل العالية الباسقة الذي يطرح أجود انواع التمر في العالم، فتلك الغابات تجعل الأرض كأنها مظلة طبيعية تحمي السائر، وتضم طبيعة البصرة والأشجار المتنوعة وعرائش العنب المتشابكة، والمتقاطعة المتعانقة مع سعف النخيل وعذوقه وأغصان أشجار التوت والتين والرمان والليمون والبرتقال، والمانجو في نسيج عجيب لسجادة أغصان بارعة الروعة وعندما أصف البصرة تحضرني أبيات شعر للشاعر العراقي مجيد العلي
بصرتنا ما عذبت محب
واحنا العشك عذبنا..
يا بو بلم شط العرب
يعرفنا وموالفنا..
ياما كعدنا والنخل
عالي النخل فيلنا..
ذكر حبيبي بو لم
واحجيله عن اخباري..
يا بو بلم عشاري
اشتهرت البصرة على مر تاريخها بكثرة شعرائها وكتابها وعلمائها وأساطيرها وحكاياتها النابعة من تلك البيئة العذرية لتلهم الشعراء والرسامين والفنانين بأجمل قصائد ولوحات فنية عن الأشجار والنخيل والأنهار والأسواق القديمة والبيوت الأثرية بيوت الشناشيل((المشربية)) والبساتين الجميلة والطيور والأسماك، فهي جنة أرضية بكل ما فيها من أناس طيبين وكرم فطري وبساطة عذرية وروائح زكية الا ان هذا الجمال الرباني قد سقط ضحية الزمن والتغيير والحروب والنزاعات في مستنقع آسن لنرى البصرة البائسة..
التي كنت أتمنى أن تظل كما عرفتها وكتبت عنها عام 1978، ولكن البصرة تحولت الى مدينة لا يرضى عنها سكانها لما يعانونه من إهمال من السلطة المركزية في بغداد رغم أنها العاصمة الاقتصادية للعراق وتمده بنحو 93% من إنتاجه النفطي، ولكن أهل البصرة استيقظوا أخيرا على وقع أزمة خطيرة تهدد مستقبل مدينتهم ودولتهم الممثلة في العراق الكبير، هذا العراق الذي ابتلعه حكام إيران منذ عام 2003 عندما غزته القوات الأمريكية لتطيح بصدام حسين وتترك بدلا منه نظام الملالي. لقد انتفضت مدينة البصرة ضد استيلاء إيران لخيرات مدينتهم والعراق الكبير، لتكون في مقدمة المدن الرافضة لهذا الوجود الإيراني المتنامي، فكان موعد الانتفاضة في أواخر يوليو الماضي واستمر حتى يومنا هذا، وكان الجمعة قبل الماضي هو ذروة الانتفاضة احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية وانهيار الخدمات العامة في المحافظة ذات الأغلبية الشيعية. وقد حملت انتفاضة أهالي البصرة رسائل عدة لحكومتي بغداد وطهران معا، فتلك الانتفاضة تجاوزت مرحلة الغضب ذي الدوافع الاقتصادية والمعيشية إلى مرحلة جديدة يكون عنوانها «استعادة الوعي» الذي ظل غائبا أو مغيبا لفترة طويلة منذ عام 2003 تقريبا عندما بسط الإيرانيون أيديهم على مقومات العراق.
 فقد أدرك أهالي البصرة دون غيرهم من بقية مدن العراق تقريبا الأسباب الحقيقية التي قادت الى حالتهم هذه من فقر وسوء إدارة مرافق أغنى المدن العراقية والمعبر البحري الوحيد للعراق. لقد أدرك سكان البصرة أن مشاكلهم الاقتصادية لا تكمن في قلة الموارد، ولكن في رهن قرار بلادهم السياسي في يد إيران التي عمدت الى إفقار العراق والتهام ثرواته واستخدامه كرأس حربة لمشروعها التوسعي، رغم ما تدعيه زورا وبهتانا أنها تريد الخير لبلادهم.
لقد انتفض سكان البصرة ليكونوا في مقدمة بقية شعب العراق، وكان لانتفاضتهم درسا بالغا لطهران حيث تم إحراق القنصلية الإيرانية في البصرة ومن قبلها إحراق صور الخميني وخامنئي، ليؤسس هذين الحدثين واقعا جديدا بالعراق، قوامه رفض الهيمنة الإيرانية وأن هذا الرفض قد أصبح مطلبا شعبيا حتى في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، ويسقطان ما حاولت إيران أن تروج له طوال عقود على أنها حامية الشيعة في بلاد الرافدين. ومن ضمن الإشارات المهمة في هذا المشهد والذي يعد تحولا عميقا في المشهد العراقي عموما وليس البصرة وحدها، أن العراق كبلد مركزي بدأ يتعافي ويستعيد هويته الوطنية وقراره المستقل وإنهاء حالة الانتماء للمذهب الديني ليكون البديل هو إعلاء الانتماء للعراق ذاته، هذا رغم التبدلات التي عهدناها في السياسة العراقية المرتبطة بإيران وموقف رئيس الوزراء حيدر العبادي من العقوبات الأمريكية على إيران.
لطالما كانت البصرة هي قلب العراق النابض وأرض نخيلها الباسقة وأشجارها الوارفة لذلك لابد ستظل ثغر العراق الأهم ومستودع نفطه وتجارته وقمحه ونخيله، ومنجم ثرواته الفكرية والفلسفية والأدبية، ومنبع غنائه وموسيقاه، ولتظل مدينة الجاحظ والفارابي وابن سيرين وبدر شاكر السياب.. حتى وإن كانت إيران قد نجحت بعد الإطاحة بالنظام البعثي في إبعاد العراق عن انتمائه العربي وتدمير هويته الوطنية لتزرع بذور الفتنة وتذكي نيران النزعات الطائفية والمذهبية، تحقيقا لأحلامها في التوسع والهيمنة.
إن ما شهدته البصرة أخيرا يؤكد فشل طهران أولا في فرض مشروعها الطائفي في العراق، ومن بعده ثانيا في سوريا واليمن ولبنان. ومطلوب من العرب الإسراع في تعزيز قوة الدولة العراقية لكي تتمكن الحكومة المركزية من المساواة بين كل العراقيين، وعلى العرب الانخراط بصورة أكبر في التعاون الاقتصادي مع العراق وتعزيز المشروعات العملاقة طويلة الأمد، فمثل هاتين الخطوتين تساهمان بالضرورة في تقليص الاعتماد العراقي على إيران، لتكون مساعدات العرب عموما الجسر الذي يعبر عليه العراق الى المستقبل بعيدا عن الصراعات الطائفية والعرقية. ولا نخفي سرا إذا قلنا أن ضياع العراق تتحمله الدول العربية التي لم تحتوِ بلاد الرافدين، حيث تركت العراق يعاني من مشكلاته مما أتاح الفرصة لإيران للتدخل بشؤونه الداخلية والسيطرة علي قيادته وقراره السياسي. وقد أسفر هذا الابتعاد العربي عن حدوث فراغ سياسي الأمر الذي انتهي عليه حال العراق.
نأمل نحن العرب أن تعود البصرة الى سيرتها الأولى، صافية في ليلة قمرية لتستقبلنا ببساتينها ورياحينها ونخيلها ورمانها، ولتعود البصرة كما عهدناها تلك المدينة المحاطة بالمجاري المائية من جهاتها الأربع، التي تضفي عليها حركة المد والجزر التي تحدث يوميا جمالا لتجعلها نابضة دوما بالحياة لنكتب عنها من جديد «اللي ما شاف البصرة..يموت حسرة».. وعلينا جميعا مساندة العراق بعدما شاهدنا «بصرتها» تفتح النار على إيران لترحل عن بلاد الرافدين وتترك للعراقيين يحكمون أنفسهم بدون تدخلات فجة من طهران.

قبل الأخير...
 انتصارات الدبلوماسية البحرينية
 وبمناسبة انقلاب سكان البصرة ضد التدخلات الإيرانية، حققت الدبلوماسية البحرينية انتصارا جديدا في حربها ضد الإرهاب، وذلك بالقرار القوي الذي اتخذه مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الوزاري الأخير بإدانة التدخلات الإيرانية المستمرة في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين.. فلم تكن الجامعة العربية بعيدة عن كل التصرفات الإيرانية بحق جيرانها ومن بينهم البحرين ومساندتها للإرهاب وتدريب الإرهابيين وتهريب الأسلحة والمتفجرات وإثارة النعرات الطائفية بالمملكة، ومواصلة التصريحات على مختلف المستويات لزعزعة الأمن والنظام والاستقرار، وتأسيسها جماعات ارهابية بالمملكة ممولة ومدربة من الحرس الثوري الإيراني وذراعيه كتائب عصائب أهل الحق الإرهابية والاشتر وحزب الله الإرهابي، وأكد القرار العربي دعم مملكة البحرين في جميع ما تتخذه من إجراءات وخطوات لمكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية، للحفاظ على أمنها واستقرارها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا