النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

حنا مينـــه .. مأســـاة أمة (1)

رابط مختصر
العدد 10751 السبت 15 سبتمبر 2018 الموافق 5 محرم 1439

لا يكترث الأديب أو الكاتب كثيراً إذا أهملته الدولة أو السلطة، ويعتبر ذلك أمراً طبيعياً ونافلاً. لكنه يتوجع كثيراً ويتألم للغاية إذا أهمله الناس الذين يقصدهم بالكتابة، ويجازف بعيشه واستقراره وراحة باله وأحيانا بحياته من أجلهم. من المؤسف والمؤلم أن يلقى الأديب الكبير حنا مينه هذا المصير والإهمال، بعد أن كافح ثلاثة أرباع قرن بالفعل والكلمة من أجل أن يعيش الناس حياة حرة وعادلة.
وكانت مأساته الشخصية تهون عليه، بالمقارنة بمأساة وطنه سوريا التي كان يتمنى قبل موته أن يسودها العدل والسلام والحرية. مات حنا مينه وهو يعاني من انصراف الناس عنه أولاً حين انفضوا عن قراءته كما كانوا يفعلون في الستينات والسبعينات، وثانياً جاءت نهايته وبلاده سوريا في أسوأ حال والعرب في تردي مخيف.
ومأساة حنا مينه هي مأساة الأدباء والكتّاب في الوطن العربي والعالم الثالث، الذين يعيشون في اغتراب وتهميش وعزلة يفرضها المجتمع قبل السلطات الرسمية. يذكر الأديب الكبير جمال الغيطاني الذي رحل عنا قبل سنوات قليلة، أنه لاحظ اختفاء كتب يوسف إدريس من المكتبات المصرية، وتساءل حينها (هل سيكون مصيرنا أيضا كذلك؟)، يوسف إدريس كاتب عالمي بمقاييس الإبداع العالمي، وكان قاب قوسين أو أدنى من جائزة نوبل، رغم ذلك لم يعد يوسف إدريس أفضل كاتب عربي في القصة القصيرة مقروءًا.
هذه أمور أصبحت معتادة وتتكرر في كل الأقطار العربية، فالقراء العرب لا يقرؤون للكتّاب الأحياء، فما بالك بالأموات. وهذا ما حدث مع حنا مينه، فالقراءة في الدول العربية التي ازدهرت في الستينات وبداية السبعينات تراجعت بشكل مخيف بعدها. حنا مينه ونجيب محفوظ هما الكاتبان الأكثر قراءة في الوطن العربي في الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، ثم انقلب الحال مع الردة الفكرية التي قادها الإسلام السياسي.
عاش حنا مينه في هذا الحصار النفسي جراء هذه الردة، والحصار الخارجي جراء الحرب الأهلية في سوريا، وهناك حصار الشيخوخة المدمر، وإكتئاب الشيخوخة. حنا مينه عاش في هذه الأجواء المخيفة والمدمرة سنين طويلة، وتمنى الموت عدة مرات ليتخلص من حياة هي أسوأ من الموت، لكن الموت يجبن أمام من يذهبون اليه حسب تعبيره.
الإهمال الإعلامي العربي أيضاً كان غائباً كعادته، وهذا الإعلام الذي أغلبه رسمي لا يكترث كثيراً للثقافة والمثقفين. القراء الحداثيون من تيار اليسار الذين شكلوا أغلبية قراء حنا مينه، انفض قطاع منهم عنه وتحولوا الى الإسلام السياسي الذي بدأ يستحوذ على المشهد منذ الثمانينات، والذين لم يفعلوا ذلك انشغلوا بأمور أخرى غير القراءة بعد أن دب اليأس فيهم. عندما طلب حنا مينه من أصحابه ومن وسائل الإعلام أن لا يقيموا له عزاء، ولا يظهروا إهتماما برحيله، كان يعبر بذلك عن استيائه من هذا الإهمال الذي استمر سنوات ليست قليلة. يذكرني ذلك ببيت شعر عربي قديم يقول: وما نفع من قد مات بالأمس ظامئًا /‏ إذا ما سماء اليوم طال انهمارها.
استيقظ الإعلام العربي متأخراً، وبشكل دراماتيكي مفاجئ، وكأننا نكتشف حنا مينه تواً. توا تذكرنا كاتبنا الكبير، أحد رموز الإنسانية، والنضال العربي من أجل الحرية والكرامة والعدل. تذكرناه متأخرين بعد صدمة موته هو الذي شكل وعينا وثقافتنا في بداياتها. كان حنا مينه أفضل من عبر عن معاناة الناس الأشد فقرا، لأنه عاش طفولته وصباه في فقر مدقع مثلهم، وعرف هذا الفقر واختبره في حي (المستنقع)، انظر دلالة هذا الاسم.
مجّد حنا مينه كفاح الناس من أجل حياة أفضل وحثهم على مواجهة الصعاب والاستبداد والبؤس بجلد ورجولة عبر روايات كنا نقرأها بشغف ونعيد قراءتها عدة مرات. كان يرى شمسنا بعيدة وباهتة فهي في (يوم غائم)، وكان يبث فينا روح النضال والمقاومة، فالغيوم لا بد أن ترحل فتظهر الشمس مضيئة ومشرقة، لكن إنحسار قراءته كان نذير شؤم فالغيوم تكاثفت وغيبت الشمس عدة عقود، في هذا الوقت كان مد الإنحسار يضرب جميع الكتاب في الوطن العربي، وكان انحساراً متعدد الجوانب في الأدب والثقافة والسياسة. إنها مأساة أمه لا تريد أن تستيقظ، ولا تعرف كيف تعيش.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا