النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الجلوس أمام المصباح الكاشف

الكتابــــة خـــارج أســــوار المسؤوليــــة

رابط مختصر
العدد 10748 الأربعاء 12 سبتمبر 2018 الموافق 2 محرم 1439

العربي، إما يكون ناقداً أو مادحاً أو منتقداً للآخرين، إلا أنه لا يعرف إلى النقد الذاتي طريقًا - إلا في حالات استثنائية نادرة في التاريخ، ويجب ان نعترف بأن الظاهرة عندنا قديمة راسخة. فالنقد الذاتي ليس إحدى نقاط القوة لدى المواطن العربي. فمن الصعب أن نجد أحدهم في حالة تجل وكشف لأخطائه بالصدق المطلوب، ولذلك فننا لا نقوى على المراجعة التي تمكن من التراجع عن الأخطاء ولا نقوى على إصلاح ما بأنفسنا. انظروا مثلاً إلى ظاهرة المذكرات الشخصية التي تغزو العالم منذ عشرات السنين حتى أصبحت نمطاً ونوعاً من الكتابة المنتشرة على نطاق واسع في البلدان الغربية، ولكنها في المقابل تقف عند أبوابنا العربية حائرة عاجزة... فكم من مسؤول عربي -رحل أو رُحل، انعزل أو عزل- تجشم مشقة كتابة مذكراته؟ قارنوا ذلك بما يحدث في بلدان العالم المتقدم وحتى نصف المتقدم. بل قارنوا ذلك بما حدث ويحدث حتى بلدان أفريقيا السوداء وبلدان أمريكا اللاتينية، ستجدون الفرق شاسعاً جداً. واعتقد أننا من الأمم القليلة في العالم التي لا تجيد لا الكتابة خارج بهرجة المسؤولية وسلطانها وهيبتها، لأننا من النوع الذي لا يستطيع الوقوف أمام المرآة.
إن رفض الجلوس أمام المرآة والعجز عن الاعتراف بأن لكل إنسان ملامح خاصة، نجاحات خاصة وهفوات خاصة، وأخطاء قليلة أو كثيرة، هو احتقار للتاريخ، والناس، والرأي العام، مما يجعل المجتمع يلجأ إلى كواليس الإشاعة، والفبركة والتأليف والتلحين، وهي جميعها تلك لا تهتم إلا بالجزء الخاص بالرذائل الخاصة. وحتى الاستثناءات القليلة من الأسماء العربية التي صاغت شبه مذكرات، فقد فعلت ذلك بحذر شديد، وبلغات أجنبية في الغالب، وفي دور نشر أجنبية بعيدة، ربما بسبب الخوف او عدم الثقة بالجمهور العربي... والمهم أن النتيجة واحدة وهي عدم القدرة على الجلوس أمام المصباح الكاشف..
القبح والبذاءة..
تقف عند مفترق الطرق، وعند الإشارة الضوئية، وعند حافة الدوار، تقف السيارة الأخرى بجوارك منفعلة مترجرجة، وخلال الثواني القليلة التي تكون فيها مضطراً للانتظار، تلتفت يمنة أو يسرة، تلتقي عيناك بعيني السائق المجاور: لا تحايا، ولا سلام، ولا كلام، ولا ابتسام... فما بالك عن التسامح، والتنازل عن الأولية وأخلاق النبلاء مع الرجال والنساء، والتسامح مع الغافلين والخاطئين؟ ويا ويلك إن تجرأت ووجهت للسائق ملاحظة هادئة لطيفة، بأنه يتجاوز القانون مثلاً....
الشر يتطاير من عينه، الإنكار والاستنكار، الويل والثبور وعظائم الأمور، ويمكن للمشهد أن يتحول إلى معركة بالمزامير، وتقاذف بمختلف البذاءات..
يسوؤك إلى حد الألم هذا المشهد الجديد المشحون بالبذاءة والقبح، ويسوؤك تبدل الأحوال ضمور قيم السلام وعذب الكلام، لتحل معه قيم العراك وضيق النفوس التي استوحشت، بسب الشحن السياسي والطائفي والإعلامي الذي تمارسه المنتديات والتجمعات وحتى المجالس وبعض من وسائل الإعلام الاجتماعي....
وعلى نفس الخط يسوؤك هذا الحديث الذي يروج في الفضاء الالكتروني، عن أعراض الناس، وعوائلهم وخصوصياتهم، فتتساءل في حيرة: ما الذي يجعل أناساً، يتلذذون بالخوض في أعراض الناس؟ تبحث عن سند لهذه الرغبة المريضة، في الفتك بأعراض الناس.. والجهر بالسوء بالكتابة وبالصور.. فلا تجد !!
قصص كثيرة، من هذه الأيام التي استشرى فيها القبح كلمة وصورة ومعاملة، الخوض في أعراض الناس، والتعريض بشرفهم وأخلاقهم.. واستشعار اللذة بترويج الأخبار والشائعات، التي تقتات عليها المجالس الفارغة دون إدراك لمسؤولية الكلمة، وخطورتها بمثل مقالات السوء هذه، تدمر المجتمع وتهز الثقة في نفوس الأجيال وتفقدها الثقة في نفسها ورموزها وثوابتها الاخلاقية..
قول على قول
أتفق معك فيما أشرت اليه في مطارحاتك التي تشخص فيها واقعنا الأليم، وعن حالة التشظي التي تمر بها مجتمعاتنا العربية، منذ بدايات، تقسيمها الى جزيئات ذات طابع طائفي وقبلي ومناطقي وغيرها. هذا كلام صحيح ولا جدال فيه. لكن دعنا نتعمق قليلاً في المسببات التي أدت الى هذه الوضعية المتردية. ألا ترى ان أسس بناء الدول العربية ونشأتها الحديثة فيما بعد مرحلة التحرر الوطني وما بعد الاستقلال كانت مشوهة ولم تستطع غالبيها التخلص من التركة الاستعمارية الثقيلة، على جميع المستويات السياسية والاقتصادية؟
القضية الأخرى ان العديد من هذه الأنظمة وطوال العقود الماضية لم تكن على قدر المسؤولية التاريخية التي تحتاجها هذه الأمة لبناء وحدتها القومية والوطنية، وهي بناء دولة المؤسسات وإعداد الإنسان العربي وتنمية قدراته وتوظيفها فيما يعزز مكانته في العالم، بل عملت في بعض الأحيان -رغم كل الجهود المقدرة هنا وهناك- في الاتجاه المعاكس، وهو عدم القدرة على بناء دولة المواطنة في أغلب الأحيان وترسيخ الديمقراطية وتطوير الحياة السياسية والتنموية بما يخلق ما نسميه بدولة الرفاه، بالرغم من كل الشعارات التي سمعناها طوال ستين عاما تقريبا ونحن نحاول ونكرر المحاولة دون توفيق.
والأخطر من ذلك أننا لم نتوفق إلى اليوم في القضاء على العصبية الطائفية والعشائرية والمناطقية، التي تنخر اليوم في جسم الامة العربية وزادت تيرة استغلالها وتوظيفها من الجميع خلال السنوات الاخيرة بدلاً من ان نعمل على تعزيز الوحدة الوطنية والوحدة القومية أصبحنا غارقين في التجاذب الطائفي. فما نراه اليوم هو نتيجة متوقعة.
إن جوهر الموضوع في تقديري ان الأوضاع مشخصة بشكل واضح، وهي في حقيقتها أزمة ديمقراطية، أزمة بناء الوحدة الوطنية والوحدة القومية على أسس وثوابت واضحة يجمع عليها أغلب الناس، فتجمع الناس. أما الحلول فموجودة ومعلومة من قبل النخب كافة: النخب السياسية والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية. وهنالك العديد من المخارج إذا ما توافرت الإرادة مثل تلك التي توافرت لشعوب أخرى. وذلك على الرغم من ارتهان أغلب أوضاعنا العربية للقوى الخارجية التي أصبحت تقرر مصير بلداننا وشعوبنا وترسم لنا خرائط الطريق والفوضى لتزيد في إرباك أمورنا.
ومن هذا المنطلق فإني أتفق مع ما جاء في مقالك حول ضرورة وجود مراجعات جادة للوضع على مستوى النخب السياسية والفكرية في الوطن العربي وتغليب مصالح الشعوب وأخذ زمام المبادرة والبحث عن الحلول الوطنية والقومية بدلاً من البقاء في حالة استسلام لتأثير القوى الخارجية...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا