النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10838 الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 الموافق 4 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

شيء ما عن البطولة والحماقة..!

رابط مختصر
العدد 10747 الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 الموافق 1 محرم 1439

في زمن الرويبضة والجهل والتجهيل، والترويج لصور شتى من صور السذاجة والتفاهة والسفاهة، في زمن بات الصدق عند كثيرين زلة لسان كما قال محمود درويش، أردنا ان نتحدث عن البطولة والحماقة..
البطولة تعني الشجاعة، تعني ايضاً شدة البأس والصمود، المعاجم العربية تكاد تجمع على ان البطولة تعني الشجاعة الفائقة، والبطل في معجم أكسفورد هو المحارب العظيم والمقاتل الشجاع..
البطولة لا تحتاج الى برهان، او تلميع، او بهرجة، او ما شابه، هي تفرض نفسها بنفسها، والأبطال الحقيقيون لا يتباهون ببطولاتهم، ولا يمّنون ببطولاتهم على أحد، ولا على الوطن، بعكس الفاشلين الذين ألفناهم يثرثرون، يتجّملون، يدعون ويكذبون لكي يوهمونا بأنهم أبطال في هذا الزمن، كل غايتهم تلميع أنفسهم، وسماع عبارات الإشادة والإطراء والتصفيق في مناسبات وحتى من دون مناسبات، كثير من هؤلاء تضخمت عندهم «الأنا»، أفرغوا معنى البطولة من مضمونها، وتجاهلوا وربما لم يستوعبوا ان البطولة ترتقي كلما تعلقت بالغايات العظيمة، غايات لا يبغي البطل من وراءها مجداً، او صيتاً، او مصلحة، ولا يخضعون بطولاتهم الى مزايدات من اي نوع، بطولة سامية يحمل الانسان فيها ضميراً حياً، هذا النوع من البطولات لا تموت بموت صاحبها، بل تظل باقية وعالقة في الأذهان مهما مرت السنوات..
أما الحماقة فهي تعني الشطط في التفكير والسلوك، وقلة تمييز، وهي ايضاً تعني التصرف الأخرق الخالي من التفكير والحكمة، وهناك من رأى بأنها تعني عدم الاعتراف بالفشل، وإبراز العجز على انه إنجاز، والأدهى حين يسوّق الفاشل عجزه وفشله وإخفاقه من باب انه إنجاز..!! والحماقات هناك من يصنعها، وهناك من يشجعها، وهناك من يتأذى منها، وهناك من يتفرج عليها، وهناك من يقطف ثمارها، تصوروا، وأخطر انواع الحمقى أولئك الذين تتضخم لديهم «الأنا» والمهوسون بالعظمة، وأولئك الذين يتحولون الى دمى تتحرك ولا أحد يعرف الى أين..!
جورج برنارد شو قال «إن الانسانية كان يمكن ان تكون سعيدة لو ان هناك من استخدموا عبقريتهم في عدم ارتكاب الحماقات بدل ان يشتغلوا بإصلاح حماقات ارتكبوها»، ولا أذكر من قال «البكاء على الحماقة فعل أكثر من الحماقة»، وللإحاطة والعلم هناك جوائز تهكمية لأكثر التصرفات حماقة التي يرتكبها سياسيون ونجوم السينما والفن والرياضة تمنحها عدة جهات منها هوليود التي تشتهر بصناعة الأفلام، هي ايضاً اشتهرت برصدها لجوائز لأكثر السياسيين والفنانين حماقة، مقابل ذلك هناك جائزة تسمى جائزة نوبل للحماقة العلمية أسستها إحدى دور النشر في الولايات المتحدة عام 1991 كمحاكاة ساخرة لجائزة نوبل الأصلية، تمنح كل عام للأبحاث العلمية عديمة القيمة والمضمون والمردود والتي لا يرجى منها أي جدوى او فائدة، وهناك ايضاً جائزة داروين للتدهور تمنح جوائز لأكثر الحماقات تميزاً من عامة الحمقى في العالم..!!
لماذا نتحدث عن البطولة والحمقى تحديداً..؟!
هناك عدة أسباب فيما يخص البطولة، أهمها أننا بتنا نجد تزايد أعداد من يدعون البطولة، وجدنا هؤلاء في كل شأن ومجال وميدان، وأسوأ ما في هذا المشهد حين يبرز من يريد ان يحتكر لنفسه البطولة، بطولات شكلية، مظهرية، إعلامية، لا قيمة جوهرية من أي نوع لها، وهذه البطولات أنى وجدت وجد معها الرياء، الرياء لا يفارقها في كل زمان ومكان، والبطل الوهمي همه ان يلغي الآخرين، يريد ان يكون وحده في الساحة، محتكراً البطولة حتى وإن كانت شكلية، فرقعة إعلامية تلمعه، تحول موبقات وإخفاقاته الى انجازات، وعلينا ان نلاحظ ذلك فهو يتم بواسطة مزورين، منافقين، لا يهمهم طهارة الضمير، ولا ضياع أي قيم او مبادئ او مُثل عليا، لا يهمهم ان يضيع كل شيء..!
نتحدث عن البطولة بعد أن شهدنا صورة حية منها في الأيام الماضية، لعلها هي التي فرضت هذا الاستدعاء في الحديث عن البطولة، بطولة شاب بحريني من قرية دمستان أنقذ عائلة كاملة من الغرق، بطولة استحقت ان تكون حديث المجتمع البحريني، شاب لم يتردد بالتضحية والإقدام في موقف احتاج للجرأة والبسالة، موقف وصل الى تفاعل جلالة الملك، وتقدير وإشادة عدة جهات ومواقع التواصل الاجتماعي، كلها تفاعلت مع الموقف الإنساني البطولي من الشاب جعفر أحمد الذي أنقذ 7 أفراد كانوا على وشك الغرق، أحسب ان هذا يعني في أبسط معنى او تحليل ان أهل البحرين يقدرون البطولات الحقيقية، كما قدّروها في مواقف أخرى عديدة، إنسانية ووطنية، وهي كثيرة ولله الحمد بالرغم من الأمراض الخبيثة التي سرت في جسم مجتمعنا، ونالت من عافيته، وهددت مناعته والتي هي اليوم وأكثر من أي وقت مضى واجبة الرصد والتشخيص والمعالجة، ان كان بمقدورنا المعالجة..!
أما الحماقة، فإننا نتحدث عنها بعد ان بات واقعنا يزخر بحماقات شتى يسهل رصد واستحضار الكثير منها على الأقل حماقات لا تتوقف، لا أحد يكبح جماحها، وان كنت أحسب انها معلومة للكافة، لذا لاحاجة لنا للتعرض اليها والإفاضة فيها، بالرغم مما أصابنا من أَذى بعضها، او كثير منها، سواء على صعيد الأداء السياسي الرديء، وبرلمان معوج غيب العمل البرلماني الحقيقي والمعتبر، ومناخ انتخابي راهن يحاول البعض ان يلعب فيه على كل الحبال، او على صعيد التعاطي السلبي وغير الحصيف لبعض قضايا وملفات المجتمع مثل الشهادات المزورة ومحاولة طأفنة هذا الملف، مشاكل سوق العمل التي لا تتوقف، الوضع الاقتصادي والدَّين العام، ملف المتقاعدين، وملف محاربة الفساد المؤجل، وتقارير ديوان الرقابة المالية التي لانعرف الى أين ستؤدي من نتائج، السلوكيات والممارسات السلبية والدخيلة على المجتمع، حوادث العنف المجتمعي، اثر التطورات فيما يخص التركيبة السكانية.. كلها تعاملنا معها بشكل غلب عليه الانفعالات الطارئة، وردود الفعل غير المدروسة، او الاستهانة، يضاف الى ذلك اغتيال المعايير وهدرها، وتبني ثقافة التفضيلات بدلاً من ثقافة الاعتبارات، كل ذلك وغيره يكاد يشعرنا، او أشعرنا وانتهى الأمر، بأن واقعنا بات يزخر بالكثير من المعضلات التي نتعاطى معها بشكل يغلب عليه الارتجال والحمق، يكفي ان نتمعن في النتائج كي نخلص الى هذه النتيجة..!
بوسعنا أن نمضي، وان نستخرج من الذاكرة، وحتى من ارشيف أي جريدة محلية ما لا حصر له من من مشاكل وقضايا مجتمعنا تعاملنا معها على ذلك النحو، ولا أعلم إن كان ثمة أمل في التنبيه لها، ولكن ما أعلمه ان هناك من أشعرنا كما لو أننا بتنا في زمن الحمقى، وان زمن الأبطال قد انتهى او كاد، وما مظاهر الفوضى والعبث واللامسؤولية في واقعنا العربي بوجه عام إلا بسبب هؤلاء الحمقى، أما واقعنا البحريني فقد بدا انه زاخر بالأبطال الحقيقيين في كل مجال وميدان، ولهم منا كل تقدير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا