النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

حكومتنا أولاً وأخيرًا..

رابط مختصر
العدد 10747 الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 الموافق 1 محرم 1439

ثقافتنا ولغتنا العربية غنية بالكثير من الحكم، والعبر، والمفاهيم الثقافية، من تلك التي يمكن استخدامها كدليل ومرشد لنا في مسيرة الحياة، ولكن كم منا، نحن المنتمين لهذه الثقافة الغنية، يسترشد في حياته، ولو بجزء يسير، من تلك الحكم؟
وإذا ما تمعنا في أحوال الأمتين العربية والإسلامية في ضوء الحكمة أو القاعدة القائلة «ما لا يدرك كله لا يترك كله»، فإننا سنجد أن أسباب تقهقرنا – ولا نقول تخلفنا لأن التخلف أهون كثيرا من التقهقر – الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والعلمي تكمن في معاداتنا للتدرج في البناء والتطور، ونزوعنا نحو الثورة والانقلاب على الأوضاع القائمة، وهدم كل شيء، والبدء من جديد، وهكذا، فإننا بسبب ميلنا الدائم نحو الرفض، والمقاطعة، تعرضت مجتمعاتنا لمراحل تاريخية متكررة وطويلة من الانقطاع عن حركة التطور، مقارنة بشعوب أخرى لم تتوفر لها نفس الثروات الطبيعية، والفرص التاريخية التي توفرت لأمتنا، ولكنها تفوقت علينا بسرعة قياسية كنتيجة لصبرها واستقرارها ومراكمتها للإنجازات دون حرق لمراحل التطور والصعود.
وبالمثل، كم نكرر في خطاباتنا اليومية مقولة «خير للإصلاح أن يأتي متأخرا، من أن لا يأتي أبدا»، ولكن في ممارساتنا اليومية، وعلى وجه الخصوص عندما نمارس السياسة، نقوم بقلب تلك الحكمة بحيث تصبح «خير للإصلاح ألا يأتي أبدا، على أن يأتي متأخرا»! وبناء على قلبنا لحقائق الحياة، نقوم بالتطرف في القول والخطاب، والتشدد في وضع الشروط لأي إصلاحات في مجتمعاتنا بحيث نتحول – بسبب هذا التطرف وذلك التشدد– إلى أكبر معوق أمام الإصلاح، بدلا من أن نكون في طليعة الممهدين له كي يأخذ مداه الزمني، وينقلنا إلى حياة أفضل ووضع أرقى وأكثر إشراقا.
إن ما نردده في أدبياتنا وأنشطتنا السياسية من خطب حول مواثيق الشرف، ومشاريع توحيد الصف، وتعزيز الوحدة الوطنية، والمحافظة على النسيج الاجتماعي، لهو كلام كبير وجميل بالفعل، لكنها تبقى مجرد شعارات رنانة فاقعة الألوان والأشكال، تتبخر أمام أبسط التحديات وقت العمل الجدي والتطبيق الفعلي.
خذ على سبيل المثال بعض التحالفات الحزبية النخبوية التي ظهرت في حياتنا السياسية بمسميات مختلفة مثل التحالف ذي «الدفع» الرباعي أو السداسي، حيث تبخرت كلها وانهارت أمام مطلب في غاية السهولة والبساطة، هو تشكيل قائمة وطنية موحدة لمرشحي ما سمي بالتحالف الرباعي أو السداسي.
 والسؤال هنا لماذا نرفع أو نردد شعارات فارغة من المضمون والمحتوى وأكبر من قدراتنا على تنفيذها على أرض الواقع؟ ثم لماذا نحاول دائما أن ننافق بعضنا البعض ونتستر على حقيقة أهدافنا وتوجهاتنا وانتماءاتنا وعصبياتنا الطائفية وغيرها؟ ولماذا لا نضع النقاط على الحروف، ونظهر انقساماتنا وخلافاتنا السياسية والاجتماعية والفكرية وغيرها من العوامل المشتتة والمفرقة من تلك التي لا يمكن مداراتها وإخفاءها في مجتمعنا الصغير هذا؟ ولماذا لا نصرح بما نؤمن به في الفضاءات المفتوحة وعلى الملأ وليس في داخل الغرف المغلقة، وسط أكواب القهوة وأدخنة السجائر؟.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإننا نطيل الحديث ونصدع الرؤوس حول حقوق الإنسان والكرامة الآدمية واحترام دولة المؤسسات والقانون، لكننا في واقع الأمر أول من ينتهكها بوحشية، ويهدر معانيها السامية عند أول اختبار عملي، أفليس إقدام البعض على تمزيق صور وإعلانات المرشحين المتنافسين، أو تكفيرهم وتسقيطهم وتشويه سمعتهم، هو بمثابة تعدي سافر على حقوق الإنسان، وتجاوز صارخ لمفاهيم دولة المؤسسات والقانون؟ وبعبارة أخرى: هل يدخل في دائرة احترام القانون والنظام العام، اللجوء إلى استخدام أساليب العنف اللفظي والمادي، والتخريب المتعمد للممتلكات الخاصة والعامة وحرقها؟
وفي ذات السياق، لماذا لا نقولها بصراحة تامة، إننا نطالب بدساتير عقدية، ليس من أجل سواد عيون الشعب، أو ذودا عن مصالح كافة مكوناته الطائفية والعرقية، أو من أجل وضع قوانين وتشريعات تواكب متطلبات العصر، أو من أجل اللحاق بالتمدن والتحضر الذي يسود العالم من حولنا، وإنما من أجل أن نصادر – من خلال مظلة الدساتير العقدية وباسم الأغلبية البرلمانية – أبسط الحقوق الفردية وأدق الحريات المدنية، وبصورة تعيد مجتمعنا الصغير عشرات السنين إلى الوراء؟ وأقولها بوضوح لا يقبل التأويل، إن الدساتير العقدية لا توضع لمجتمعات منقسمة إلى طوائف، وولاءاتها لمرجعيات دينية داخلية وخارجية عابرة للحدود، وعواطفها مع كيانات وتنظيمات لها أجنداتها وأهدافها الخاصة، وعلى رأسها هدف فرض إرادتها وهيمنتها على المجتمع بأي وسيلة كانت حتى وإن أدى ذلك إلى التقاتل بين الناس.
نقولها بصراحة وبوضوح شديد: حكومتنا هي صمام الأمان أولا وأخيرا للمواطنين، قبل البرلمان وقبل المؤسسات الموتورة فكريا لغرض دفين في نفس يعقوب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا