النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

عبر الروائي الكبير حنا مينه قوس المجد إلى الخلود

رابط مختصر
العدد 10747 الثلاثاء 11 سبتمبر 2018 الموافق 1 محرم 1439

الحياة الدنيا معبرٌ، والبشر عابرو سبيل، زُجَّ بِنَا إليها وفيها قسراً من حيث لا ندري، وننقل منها قسراً وقهراً إلى حيث لا ندري، فصرنا بعد العبور منها مثل قبل العبور إليها. وصدق الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته الفلسفية «الطلاسم»: جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
 لست أدري !!!
أغلب الناس بعد توقف الأنفاس ينتقلون من أنوار الحياة إلى ظلمة الممات، إلاّ نفرٌ من الناس تخلدهم أعمالهم والإرث العظيم الذي لا ينضب ولا يستهلك يتركونه للناس أجمعين، فيعبرون بعد توقف الأنفاس قوس المجد إلى عالم الخلود.
تناقلت أخبار محزنة عن وفاة الروائي السوري، الروائي العربي، حنا مينة بعد معاناة مع المرض، وفارقنا و قد بلغ من العمر ستة أعوام ما قبل اكتمال كامل القرن، وهو بهذا العمر يكون قد أخذ من حساب العمر في الحياة الدنيا القدر المجدي، والقدر الذي يستحقه إنسان بمعايير الكرم الأدبي والفكري والنضالي الذي كان يتمتع بها شيخ الرواية العربية وأحد رموز الرواية في العالم. رغم هذا العمر المجدي والمديد، لم يأخذ من الحياة الدنيا سوى المعاناة والآلام بأنواع جروحها، وفتح عينيه على الدنيا في أسرة فقيرة، فعاش الفقر بكل معانيه وبكل أنواع مآسيه، فكانت تلك العيشة المثقلة بالهموم والمنهكة بالآلام التي لم يجد بديلاً نقيضاً لها من سبيل، كانت هي قوة الدفع للعمل المعيشي الشريف والعمل النضالي العظيم، و كانت له هي المدرسة والجامعة (تحصيله المدرسي لا يتعدى شهادة إبتدائية من مدرسة فرنسية) التي صقلت مواهبه في كرم العطاء الأدبي والفكري، والتي قدمها للإنسان العربي في باقة رائعة جميلة من القصة والرواية، تشع منها أنوار الوعي والتوعية، وترتسم بلغة سلسة ناعمة رغم قوة معانيها، وبأسلوب متلون بريشة البلاغة يشد القارئ إليه، مثلما يشد ثدي الأم فم الطفل الرضيع إليه، ويمسك القارئ الكتاب بين يديه وهو يقرأ، وكأنه طفل رضيع يمسك بكلتا يديه ثدي أمّه وهو يرضع. هكذا كانت العلاقة بين حنا مينة والقارئ العربي، والقارئ العربي يرضع من ثدي الرواية غذاءه الفكري والروحي، والذي به ينبلج الوعي فيه، تقوى به إرادة النضال في الحياة من أجل تحقيق حياة العزة والكرامة...
لم تكن ولادته في أسرة فقيرة فقط، بل في وطن ممزق أيضاً، فسوريا كانت ممزقة تئن تحت وطأة الاحتلال (الانتداب) الفرنسي، فالانتصار الفرنسي وحلفائه على الأمبراطورية العثمانية، كنتيجة للحرب العالمية الأولى، أعطى لكل عضو في التحالف نصيباً من الكعكة العثمانية، وكانت سوريا الكبرى قطعة كبيرة من نصيب المسيو الفرنسي. وكَدَأْب كل محتل ومستعمر، عملت فرنسا على تفكيك أوصال سوريا إلى أربع دول هي دولة حلب، دولة العلويين وعاصمتها اللاذقية، دولة دمشق، دولة جبل الدروز، بجانب دولة لبنان الكبير، ولد حنا مينه في اللاذقية، عاصمة دولة العلويين في مرحلة ما بعد الإنكسار العثماني وعبث المنتصر الفرنسي، فولادته كانت وهو يشم رائحة البارود، وشعبه يتوجع من ذُل الاستعمار. إن صرخته الأولى، وهو يُخْرَجُ من رحم أمه، كأنها صرخة المحتج على الاحتلال الفرنسي، وصرخاته البكائية المتواصلة بعد الصرخة الأولى كانت بمثابة التحول من الاحتجاج إلى النضال لتطهير الأرض السورية من درن الاحتلال، وإعادة اللحمة إلى أرض سوريا الكبرى. لقد اشتم رائحة البارود قبل أن يشرب أول وجبة حليب من ثدي أمه.
منذ اللحظة الأولى وهو يتخطى عتبة العدم إلى الوجود، وقدره محتوم، قدرٌ لم تكن له إرادة فيه، قدره أن يكون مناضلاً يحمل معول العمل والكفاح، شاء أم أبى، الفقر الذي وجد نفسه فيه فرض عليه إتاوة التصدي لأسباب فقره، التصدي لواقع جمع بين ظالم ومظلوم، فكانت صرخته المدوية التي يُعَرِّفُ بها نفسه عندما قال: «أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذته العميقة، عندما تعلم انك تمنح حياتك فداء للآخرين.. إنك تؤمن في أعماقك ان إنقاذ الناس من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بان يضحى في سبيله». وكان متفائلاً صبوراً وكان يقول دائماً: «يجب أن نفرح وإلا انهزم الإنسان فينا». ومن قدر هذا الفقر المضني أن يناضل الفقير وهو يعاني من قدر أمض وأقسى، وهو الاستعمار الذي يضيف على كاهل الفقر ذُل العبودية لقوى خارجية طامعة غاشمة.
واقع الفقر والاستعمار فرض عليه العمل على جبهتين، جبهة النضال الاجتماعي ضد الظلم الذي أوجد الفقر، وجبهة النضال ضد المستعمر الذي إغتصب الوطن ومزقه واستعبد الشعب ولوث كرامته. كان القلم هو سلاحه في هذا المعترك المزدوج، وكان يغرف أسباب النضال وأدواته الفكرية الفاعلة الناجعة من مناضلين سبقوه في معارك الكر والفر ضد الظلم الاجتماعي وضد القهر السياسي، فكان الكاتب المناضل الروسي مكسيم غوركي، صاحب رواية «الأم» هو مصدر من مصادر الأخذ من إرثه النضالي وفكره التنويري ونزعته الإنسانية.
سلام عليك يا أيها الإنسان العظيم حيث كنت وحيث أصبحت وأنت تعبر قوس المجد إلى الخلود، فأنت حي بيننا نسترزق دوماً من خيرك الأدبي ونشعر دوماً بالدفئ من أنوار أفكارك الحية التي تحيي رميم العظام، فما أنت كالذين يرحلون، بينما هي رحلة خالدة لاستراحة دائمة بعد رحلة طويلة مثمرة، وتركت ثمارك إرثاً خالداً نتغذى به، وعَل من منا وبيننا وفينا من يثمر من ثمارك ثماراً أخرى...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا