النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

نشر «ثقافة الكآبة»

عاهة مستديمة ضد الفرح والنجاح..

رابط مختصر
العدد 10746 الإثنين 10 سبتمبر 2018 الموافق 30 ذو الحجة 1439

نكاد نكون أكثر الشعوب اهتمامًا وعناية بنشر وترويج ونقل الأخبار السيئة (صحيحة كانت او مدسوسة او ومفبركة)، والأدهى من ذلك أن أكثر الاخبار والأفكار والتغريدات التي تحظى بالانتشار والعناية هي تلك التي تتحدث عن كوارث وحوادث واضطرابات وحرائق وفساد ومحاكمات وقتل وضرائب، أو تلك التي تسيء الى افراد أو جماعات وتعرض بهم او تكشف فضائحهم وجوانب من حياتهم الشخصية. والمشكلة أن علامات الفرح والجمال والنجاح موجودة من حولنا، ولكن لا أحد تقريبا يهتم بها إلا قليلاً؛ مؤشرات نجاح، تقارير دولية او إقليمية إيجابية، تشيد بما تحقق من نجاحات في هذا المجال او ذاك، مدن جديدة، جسور، طرقات سريعة، مدارس جامعات، مجمعات، مستشفيات، حدائق... تقام، عمليات جراحية صعبة تنجح، ومنافسات تتحقق فيها نتائج مبهرة، كتب تصدر، حفلات، مهرجانات.. وغيرها كثير، أخبار مفرحة، منجزات مشرفة لا يلقى لها بال.. ويبقى السؤال: من أين تجيء هذه القدرة على نشر البشاعة والخوف وثقافة الكآبة؟؟

 أعداء وأعداء
 هناك «أعداء» لا تملك سوى احترامهم؛ لأنهم مبدئيون، يواجهونك صراحة، وجها لوجه، يختلفون معك، ويعلنون على رؤوس الأشهاد أنهم سيحاربونك (فكرًا وموقفًا لا شخصًا واسمًا).. وهناك (أعداء) لا تملك إلا أن تحتقرهم بعمق شديد؛ لأنهم أقزام وصغار جدًا جدًا، تسمع عنهم أكثر مما تراهم، يسمعون عنك ولا يريدون أن يروك إلا منسحقًا صغيرًا مثلهم.
هذا الوباء الاجتماعي المستشري، لا دين له ولا قيم، وديدنه وشعاره الأثير: لا نعمل ولا نترك الآخر يعمل، لا نرحم ولا نترك من يرحم... مكانهم المفضل الجحور السوداء صباحا، والمجالس والمطاعم السرية مساء، هم خفافيش أو طيور ظلام، مختصون في صناعة الإحباط، أصيبوا بعاهة مستديمة جعلت مضادات لابتلاع أي نجاح، فأصبحوا قاصرين عن تحقيق وجودهم إلا بوسيلة واحدة هي تحويلك أيضا إلى قاصر معاق معوق، لا ينازلونك في ساحة المعركة بل يسدّدون لك الضربات «تحت الحزام».
ومن خصالهم غير الحميدة: النفاق الشديد والتقية، وعندما تلقي بك الأقدار أمامهم، سيحيّونك كأنك ابنهم البار أو صديقهم الودود، قد يجالسونك ويبتسمون لك، ولكنهم يجرون حوارا باطنيا يستبيحون فيه عرضك ودمك ووجودك... يتظاهرون بأنهم آخر من يعلم بكل ما حدث لك رغم أنهم أول من أعطى الأوامر وأجرى الاتصالات اللازمة، لا يحاولون طرد الذبابة عن وجهك بالمطرقة...
سألت أحدهم - وهو في سورة مهاجمة مقال لأحد الكتاب: وهل قرأت المقال؟ أجاب بوقاحة يحسد عليها: وهل أنا في حاجة إلى قراءته؟ فهو تافه لا قيمة له كصاحبه.. فأنا أعرف مسبقًا ما سيقوله!! وسألت صديقه الذي يجلس إلى جواره محتدًا وهو يناقش المقال: وهل قرأت المقال؟ فيجيب بكل بساطة: لا أبدًا، لقد سمعتهم يتحدثون عنه، وهو مقال مغرض مثل صاحبه السخيف النذل..
هذا الصنف العجيب من البشر الذين يندسون بين المثقفين ويحسبون أنفسهم بينهم، مستندين إلى ثقافة سمعية سطحية، ورغم أنهم يطالعون كل ما يتعلق بك، من اليسار إلى اليمين، ومن الأسفل إلى الأعلى، فإن الدنيا لا تحلو في عيونهم إلا إذا صنعوا كل أنواع العصيّ لعرقلة أية عجلة تدور ينشرون وحدات من أعوانهم، يترصدون أحوالك في كل بقعة من الأرض، وينتقلون على جناح السرعة إلى غرفة حبك الدسائس، أعدت لشرب ما طاب من دماء الكادحين. يستقون أخبارك بسرعة قياسية ويصنعونها بالطريقة البطيئة، ويحفظونها إلى حين موعد القصف القادم. مطلوب من كلّ دابة على الأرض في أي مكان يرتعون فيه، أن تقدم لهم الولاء الأعمى لكي تدخل جنتهم الموعودة... معهم، ليس لديك حلول كثيرة، إما أن تفكر داخل قفص تفكيرهم وتتحرك في إطار المستطيل الذي رسموه وتمدهم بتقرير مفصّل وشامل عن أهوائك وأحلامك وآفاقك وأصدقائك وأعدائك وإما أن تتحمل تبعات تمرّدك عليهم، ينفثون سمومهم في كل الأجواء، ويسعون إلى استدراج المستهدفين إلى حروب «قذرة» ينشغل فيها الكل بفنون التخريب، يرتدون الوطنية لباس التقية المكشوفة، لكي يشرّعوا لسلوكهم العدواني ولعنفهم السلمي، تجدهم في كلّ مكان وكلّ زمان.. في كل القطاعات وكلّ المؤسسات.. في كريات الدم الحمراء وكريات الدم البيضاء... في تخوم المدن والقرى والأرياف، في رحلة الشتاء والصيف.. انهم داء حقيقي وأنفلوانزا شتوية فيروس قاتل..

همس
تلبستني فكرة، وأنا أتابع ما يكتب في أعمدة الصحافة العربية، مفادها أن من يكتب هو (ضميرنا المستتر) إن صح التعبير.. أو هو ضميرنا الغائب على الأرجح، فلكل واحد منا ضميره المستتر الذي يحركه وينوب عنه، ليس في الكتابة فحسب، بل حتى في الحفلات و(العزائم) وتبادل الأحاديث.. فلا أحد تقريبًا يكتب بنفسه، قد يفكر بـ(نفسه)، نعم، ولكنه لا يكتب إلا بالضمير المستتر.. وهذا الضمير قد يكون تقديره نحن أو أنت (الآخر) أو أنتم أو هم أو هي، ولكنه لا يكون أبدًا هو نفسه، هو ذاته.. فالصحفي القومي لا يجد ضميره الغائب أي حرج في الدفاع عن كامب ديفيد وأوسلو!! وكاتب العمود الماركسي يتعاطف ضميره المستتر مع الأصولية والطائفية، والكاتب السلفي لا يرى ضميره المستتر مشكلاً في الكشف الركيك عن أصوله الماجنة. وإذا كانت السياسة هي فن إدارة (اللحظة) فلا عيب في أن يكون لكل واحد منا رأيه و(سياسته)، ولكن السياسة لها وجهين، وجه يعني الوعي والتقدم، ووجه يسوده التلون والاضطراب وعدم الثبات. ولذلك فاللحظة الراهنة بتعقدها وعنفها وتشابك خطوطها لا يفيد معها التلاعب بالألفاظ وتحريك الضمائر المستترة، والتستر بشعار (أكل العيش)؛ لأن من كان هذا شعاره فليكتب في فن التواشيح وأخبار الراقصات أو فلينشد السلامة، وليدع أعمدة الرأي لغيره لأنها لا تليق به ولا يليق بها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا