النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الخروج من لحظة الترقب

نحو مرحلة جديدة من التجربة الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 10741 الأربعاء 5 سبتمبر 2018 الموافق 25 ذو الحجة 1439

تستعد البحرين للجولة الجديدة من الانتخابات البرلمانية والبلدية في الفترة المقبلة، تأكيدا لاستمرار التجربة الديمقراطية، بالرغم من جميع التحديات التي واجهتها في المرحلة السابقة وتواجهها حاليا، ضمن أفق المشروع الإصلاحي لجلالة الملك والذي وفر الفرص الدّاعمة لترسيخ الكيان الوطنيّ وتمكين المواطنين من المشاركة السياسية الفاعلة، باعتبار تنظيم الانتخابات واستمرارها أمرا حيويا مجسدا لغاية من غايات هذا المشروع، وركيزة أساسية لنهضة المجتمع واستقراره. خاصة وأن هذا الإصلاح السياسي، لم يكن منقطعا عن حركة التاريخ، بل مرتبطا بالتجربة التاريخية للمجتمع، وجاء ترجمة للقراءة السياسية الواعية لاختيار المسار المناسب للتطور التاريخي السياسي للمجتمع. اتصالا بشعارات الإصلاح والديمقراطية والمشاركة.
ومن المهم هنا التذكير بأنّ عمليّة الإصلاح التي بدأت طلائعها السياسية مع بداية الألفية قد انبنت على التوازنات في مجتمع متنوع التكوين، لا تستقيم فيه الأمور إلا بالتوافق الوطني بين الأطراف الاجتماعية-السياسية، بما يحقق الأولويات ضمن رؤية توافقية، تقوم على التدرج في بناء التجربة الديمقراطية، بما يضمن عدم تحولها إلى حالة من الفوضى. ولذلك مثّل هذا المشروع أحد أهم مصادر الاستقرار السياسي والاجتماعي، بما ساعد على الانقطاع للعمل التنموي، قبل ان تنفجر تلك الاحداث المؤسفة التي أربكت المسيرة.
ولعل المفارقة الكبيرة في هذا السياق أن أغلب الذين كانوا وراء تلك الاحداث، كانوا يعلنون أنهم ديمقراطيون، ينشدون الإصلاح، وإذا بهم يسهمون في ضرب تجربة الإصلاح وارباكها، بدلا من العمل على تعزيزها وتطويرها والترفق بها. ومن مظاهر تلك الربكة التي تسببوا فيها، العمل منذ البداية على شعارات تسفيهية للتجربة، مع المطالبة بما كانوا يطلقون عليه (إصلاح ذي معنى). (ديمقراطية حقيقية) (ديمقراطية ذات قيمة.). وغيرها من العبارات التي ترددت في العديد من البيانات والتصريحات الصادرة عن المعارضة إبان الأزمة التي عاشتها البحرين وبعدها.
الأوصاف المنعوت بها الإصلاح الذي كان جاريا آنذاك في إطار تلك المواجهة السياسية في البداية، والعنيفة في النهاية، كانت تؤشر إلى عدم رضى شريحة من المجتمع السياسي كانت تطالب بما ارتأته مرحلة أخرى متقدمة من الإصلاح السياسي المرغوب فيه، ولم يكن هنالك مشكلة في ذلك، بالرغم من الطابع العجول لهذه المطالبات، إلا أن المنعرج الكارثي بدأ عندما تحولت تلك المطالبات إلى ما يشبه الحالة الانقلابية الكاملة بجميع عناصر، ودخول العديد من العنصر الراديكالية المتطرفة على الخط لخلط الأوراق.
وإذا ما عدنا إلى تلك الشعارات، في مرحلتيها السياسية والعنفية، وجدنا هذا التوصيف للإصلاح السياسي وللديمقراطية على النحو الذي كان جاريا في الواقع حتى 2011م، نلاحظ أنها تأتي في مواجهة للإصلاح الفعلي الواقعي الممارس على الأرض والمترجم في المؤسسات والتشريعات-أياً كان مستواها وأهميتها-مع انه الإصلاح الذي عاشت البحرين وما زالت تعيش على إيقاعه، بمراحله ومظاهره المختلفة، ونتائجه الإيجابية العديدة، مجسدة في عدد كبير من التشريعات المكرسة للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان (مهما كان مستوى تطورها آنذاك). حيث جيء في مقابلها بأوصاف لنوع أو مستوى آخر من الإصلاح أطلق عليه مسميات من نوع (حقيقي -ذو مغزى - ذو قيمة.. إلخ)، بما يحيل على فكرة أن هنالك اتفاقاً على الحاجة إلى الإصلاح، وأن هنالك اختلافاً على توصيفه ودرجته ومدى ترجمته على أرض الواقع. وكان ذلك يعكس منظورين لمستوى الإصلاح ووتيرته ومستواه. وعلى هذا الأساس فإن هنالك نوعين من الإصلاح وفقاً للتوصيف-الشعار (إصلاح بلا معنى، وإصلاح ذو معنى):
- فهنالك إصلاح تقوده السلطة، وتراه مناسباً للحظة التاريخية -وإن كانت تقر أنه مرحلي وقابل للمراجعة والتطوير-وتراه ذا طبيعة تراكمية وتدريجية، وتراه ذا مغزى وذا معنى وذا قيمة، طالما أنه يحقق تقدماً في اتجاه الديمقراطية والشراكة السياسية والرفاه الاجتماعي والاقتصادي والعدالة وتكافؤ الفرص والاستقرار والتنمية.
 - وهنالك الذين ينكرون حدوث تقدم ملموس «ذي مغزى» خلال عمر التجربة الديمقراطية الوليدة في البحرين، فهنالك إصلاح تراه بعض مكونات المعارضة بديلاً عن النسخة الواقعية المطبقة، وتريده أن يكون «حقيقيا»، أي أن يكون عميقاً وجذرياً (يقترب من حد الثورة على ما هو قائم)، وهي لذلك تسفه كل فعل على الأرض وتقلل من شأنه: (فالإصلاح سطحي وحوار التوافق الوطني أكذوبة-والتعديلات سطحية وحتى توصيات بسيوني لعبة.. وهكذا). ولا يمكن أن يكون أصحاب هذا الموقف موضوعين بشكل كامل، لأن الذي ينكر الخطوات التي أنجزتها الدولة، بكافة مكوناتها وأجهزتها، ومعها جزء كبير من المجتمع السياسي، خلال هذه السنوات الماضية، لا يمكن أن يكون مبصراً للحقيقة، بل يمكن توصيف موقفه عملياً بكونه ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالعدمية السياسية. حيث عبرت عن هذا الطموح السياسي الأبرز «وثيقة المنامة» التي تحوصل أهم طلبات المعارضة. ويتم اختصارها في القول بإن الإصلاح المطلوب (الحقيقي وذا المغزى)، هو الذي ينبني على أساس (حكومة منتخبة) على أن يتم شطب جزء من المسجلين في قوائم الناخبين (لأنهم من المجنسين) وفقاً لمقررات هذه الوثيقة لتستقيم الحسبة العددية التي في أذهان أصحابها. ويمر هذا الإصلاح أيضاً بإلغاء مجلس الشورى باعتباره مجلساً معيناً، وينتهي بتعديل الدوائر الانتخابية بما يؤدي إلى سيطرة المعارضة على البرلمان (وفقاً لمعادلاتها الحسابية). وبالتالي فإن الحكومة المنتخبة بوسعها تغيير الدستور، وقلب الأوضاع القائمة (في اتجاه ذي معنى وذي مغزى يتناسب مع أجندة التغيير والتحوير)، بعكس الطموح الإصلاحي الذي ينشده القسم الأكبر من الناس -من خارج مظلة المعارضة-فهو يقوم على تعزيز التجربة الإصلاحية في ظل الثوابت التي أجمع عليها الناس في ميثاق العمل الوطني، ومنها تعزيز دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون والمساواة وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد، وتعزيز الوحدة الوطنية. إلخ.
وإذن، هنالك حالة من التنازع -لا الحوار-بين (إصلاح ذي مغزى -وإصلاح واقعي لا يقفز نحو المجهول)، ولذلك يغيب الحوار السياسي المبني على التحليل وعلى الرؤى الفكرية الوسطية الواقعية التي لا تقفز فوق الأوضاع القائمة، ولا فوق طاقة احتمال هذا الواقع محليا واقليميا، وتحل محله حالة من الشعاراتية اللغوية والسياسية التي تدور في حلقة مفرغة. في حين أن المطلوب كان دائما هو النظرة الواقعية مع الحوار المستمر للمراجعة والتطوير التدريجي وبناء المشتركات (طالما أن هنالك إجماعاً على الإصلاح والديمقراطية والحرية والعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص والوحدة الوطنية والعيش المشترك..). وبذلك يمكن الوصول إلى ما يمكن أن نسميه بالوسط السعيد في هذه اللحظة التاريخية الذي يخرجنا من حالة المراوحة والترقب.
ولا شك أن أمراً من هذا القبيل يقتضي ويفترض بالضرورة نظرة وطنية هادئة متوازنة قادرة على اجتراح الحلول والمعالجات في سياق الحفاظ على الاستقرار والتوازن ضمن نظرة واقعية تستخلص الدروس مما حدث. ولعل الانتخابات الجديدة تكون فرصة والتقدم نحو المستقبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا