النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

التخلف الديمقراطي العربي

رابط مختصر
العدد 10738 الأحد 2 سبتمبر 2018 الموافق 22 ذو الحجة 1439

أثار مقالي الأخير «تعقيدات الاستحقاق الانتخابي»، ردود فعل واسعة ومتفاوتة في تناولها لما جاء في ذلك المقال، الذي حاول في بساطة متناهية القول إن الوضع السياسي البحريني في غاية التعقيد، ومن ثم فإنه سينعكس بشكل مباشر على عمليات وإجراءات انتخابات المجلس النيابي المقبلة، المستحقة في الربع الأخير من العام 2018. مثل هذه التعقيدات، كما جاء في المقال تتطلب معالجة مختلفة، تتعاطى مع هذا الواقع بمدخل مختلف غير مألوف، يقتضي شجاعة عند متخذ القرار.
وبدلاً من مناقشة الموضوع، وتفنيد ما ذهب إليه من معطيات واستنتاجات مبنية عليها، جاءت نسبة عالية من ردود الفعل منضوية تحت مظلة واحدة من ثلاث فئات رئيسة يمكن حصرها في النقاط التالية:
•    اتهامية، فلم تتردد في الذهاب إلى الطعن في مصداقية ما جاء في المقال، وتوجيه الاتهام لكاتبه، بأنه جاء مقابل مكافأة مادية أو معنوية، جعلته «يلوي رقبة الحقائق، ويزيف التاريخ، ويشوه الواقع»، كي يحظى بتلك المكافأة.
•    تشويهية، حاولت في ردة فعل غاضبة، أن تنتقي من المقال بعض التعبيرات، بعد أن فصلتها عن سياقها الذي جاءت فيه، فابتسرت معناها، وبنت على ذلك تأويلات لم ترد بخلد الكاتب أصلاً.
•    إسقاطية، تعود جذورها إلى موقف مسبق من الكاتب، وآرائه السياسية، فلم تكلف نفسها حتى مجرد قراءة المقال، واكتفت بسرد استنتاجات مبنية على قرار مسبق يتلذذ بتوزيع الاتهامات، وإلصاق الألقاب.
ليس القصد من وراء هذا السرد المكثف الذي يلخص ما تلقاه الكاتب من ردود فعل التصدي لكل واحد منها، وتفنيد ما ذهب إليه في تعاطيه مع المقال، بقدر ما هي محاولة لتشخيص ظاهرة يعاني منها الفكر السياسي العربي عند تعاطيه مع مفهوم الديمقراطية، أو بالأحرى القيم السلوكية التي تحدد علاقة الحوار بين الأطراف التي تحكم قيم التعايش مع الآخر دون نفيه او مصادرة حقه في التعبير عن أفكاره، طالما أن هذا الآخر يحترم مقاييس «العقد الاجتماعي» التي حددتها منظومة الممارسات الديمقراطية الدولية.
في البدء لا بد من التأكيد على اننا ينبغي تحاشي المدخل الطوباوي للديمقراطية التي يضعها في إطارها «الرومانسي» الأفلاطوني. فليست هناك، حتى يومنا هذا، ديمقراطية مثالية تتعالى على المصالح الاجتماعية، وتتجاوز الفوائد التي يمكن جنيها من وراء الدعوة لها، او الترويج لقيمها.
ففي نهاية المطاف، تحاول كل فئة مجتمعية أن تروج للممارسة الديمقراطية التي تدافع عن مصالحها، مباشرة تلك المصالح كانت أو غير مباشرة. لكن بالمقابل هناك الحدود الدنيا للممارسة الديمقراطية التي تكفل، في تلك الحدود الدنيا، حق الفرد في التعبير عن أفكاره، طالما تقيد بما يكفل صيانة العقد الاجتماعي بينه وبين الآخرين ممن يشاركونه محيطه المجتمعي، دون خشية لعواقب «إفشاء» تلك المعتقدات، ونقلها من إطارها الذاتي الضيق، إلى رحاب محيطها الموضوعي المتسع.
هذا الفهم الراقي للديمقراطية الذي يجعل منها «نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامته الشخصية الانسانية ويقوم على اساس مشاركة اعضاء الجماعة في تولي شؤونها، وتتخذ هذه المشاركة اوضاعا مختلفة وقد تكون الديمقراطية سياسية Political Democracy ويكون الشعب فيها مصدر السلطة وتقرر الحقوق لجميع المواطنين على اساس من الحرية والمساواة من دون تمييز بين الافراد بسبب الاصل، الجنس، الدين او اللغة. ويستخدم اصطلاح الادارة الديمقراطية للدلالة على القيادة الجماعية التي تتسم بالمشورة والمشاركة مع المرؤوسين في عملية اتخاذ القرارات»، ما يزال تفصله سنوات فلكية عن محيطه العربي.
ولهذا، و«على الرغم أن الاكثرية صاحبة القرار في نظام ديمقراطي فإن للأقلية حقوقًا لا يمكن للأكثرية أن تتجاوزها بسهولة. فأحد المبادئ الأساسية في مجتمع ديمقراطي هو أن تتمّ ممارسة السلطة مع احترام حقوق الانسان. وهذا يعني أن من يقررّون لا يُسمح لهم باضطهاد الأشخاص أو المجموعات من ذوي الآراء المخالفة. ويحقّ لجميع أفراد المجتمع أن يقولوا ما يعتقدون».
وكما يرى من ينادون بالديمقراطية بأنها «تتطلّب محادثات تتسّم بالاحترام. ويتعلق ذلك سواء بأن تستمع الى رأي الآخرين أو حين تقوم أنت نفسك بالتعبير عن آرائك. من المهم لديمقراطية ناجحة أن يشعر المواطنون بأنهم جزء من المجتمع. وأن يكون بمقدورهم التأثير في الانتخابات العامة ولكن أيضاً أن يشعروا بأنهم مشاركون في التأثير على حياتهم اليومية – في المدرسة، وفي العمل وفي منطقة السكن وفي العائلة».
الأسوأ من كل من يخالف ما أوردناه أعلاه بشأن الممارسة الديمقراطية، أن من ينادون بتطبيق الديمقراطية في المشهد السياسي العربي، يقفون عند حدود مطالبة الآخرين بالتقيد بقيمها، وينسون أنفسهم، ولذلك نراهم، بوعي أو بدون وعي يهدمون جدران النظام الديمقراطي، تحت مبررات واهية تسمح لهم بنفي الآخر، و«إخراس» صوته، ومصادرة حقه في التعبير عما يدور في ذهنه من أفكار. ومقابل ذلك يعطون أنفسهم الحق، في الانفراد بأوسع هامش من ذلك الحق الذي صادروه من الآخرين.
هذا المذهب، الممعن في تخلفه لفهم الديمقراطية، ومن ثم ممارستها، يطالب الآخرين، وفي مقدمتهم السلطات القائمة، بالتقيد حتى «المليمتر» الأخير بقيم الديمقراطية، لكنه في الوقت ذاته، يبيح لنفسه تجاوز كل تلك القيم، طالما انه، من وجهة نظره الذاتية، «الوحيد الذي لا يأتي أفكاره الباطل من أمامها ولا من خلفها».
يكتفي من يحملون هذا الفهم المتخلف للممارسة الديمقراطية، وهو شائع على نطاق واسع في صفوف من يدعون انهم ينتمون للمعارضة العربية، بتوجيه النقد للممارسات اللا ديمقراطية التي «تتحلى» بها السلطات العربية، وهم حتى وإن كانوا محقين في ذلك، لكنهم في خضم ذلك ينسون أو يتناسون مع سبق الإصرار والترصد فهمهم المتخلف للديمقراطية، وممارستهم «القمعية» تجاه، ليس من يختلف معهم في الرأي، بل حتى ضد أولئك الذين لا يتفقون معهم فيه.
يبقى القول بأنه، وبغض النظر عن كل ما أثاره المقال من ردود فعل كشفت عورة التخلف العربي في فهم الديمقراطية، تبقى الحقيقة ساطعة «أنّ الانتخابات العامة هي الاداة الأكثر أهمية لدى المواطنين للتأثير على كيفية قيادة البلاد. ولكي تعمل الديمقراطية في بلد ما يُشترطُ أن ينخرط سكّان البلد ويشتركوا في العملية الديمقراطية. إذ تتعززّ الديمقراطية عندما يصوّت أكبر عدد ممكن في الانتخابات عامة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا