النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

تناغم إيجابي لعرب أوروبا

رابط مختصر
العدد 10737 السبت 1 سبتمبر 2018 الموافق 21 ذو الحجة 1439

كان المسجد نظيفًا جدًا ومرتبًا جدًا، يتسم بالبساطة والحداثة في آنٍ معًا، حتى أن الموضأ كان معطرًا ومعقمًا وأرضه جافة تماما من المياه، وكل ما في المكان يبعث على الهدوء والسكينة وسط أجواء روحانية قلما عرفتها من قبل.
هذا المسجد ليس في دولة إسلامية، وإنما في بريطانيا، في لندن تحديدًا، حيث أديت صلاة الجمعة مع أصدقاء لي هناك من عائلة الحسن اللبنانية المرموقة، ومن حولي عرب آخرون ومسلمون من شتى أصقاع الأرض، يصغون بانتباه إلى خطيب الجمعة الذي يتحدث بهدوء واتزان وعقلانية، يعظُ ويعلَّم ويحثُّ على الالتزام بالطاعات ومكارم الأخلاق.
في الواقع، لم يكن هذا المسجد هو المكان الوحيد الذي التقيت فيه عربا ومسلمين في أوروبا، فقد تسنَّت لي خلال إجازتي هذا الصيف في عدة دول أوروبية، وبشكل أساسي في لندن، فرصة لقاء الكثير من أفراد الجالية العربية تحديدا، وتبادل الأحاديث المعتادة حول الأوضاع العامة والحريات والاندماج وغيرها.
النتيجة التي خلصت إليها -وهي بالمناسبة ليست نتيجة جديدة أو مفاجأة- هي أن العرب في أوروبا سعداء بشكل عام، مطمئنون إلى مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، ينعمون بالأمن والاستقرار والمساواة، لكنهم في الوقت ذاته ينظرون من خلف الشاشات بأسى لما يحدث في دولهم العربية من حروب وصدامات وفتن، وانحدار أخلاقي واقتصادي وعلمي واجتماعي.
على الرغم من توافر جميع المقومات الأساسية للحياة في بلدان  عربية معينة، من ثروات طبيعية ومياه ومناخ، وتاريخ وحضارة، وقوى بشرية، إلا أن هذه البلدان كانت على الدوام طاردة لسكانها، يبحث الكثير من بينهم عن أي فرصة هجرة أو لجوء إلى بلاد العم سام.
سألت كثيرين من العرب الأصدقاء والمعارف هناك فيما إذا كانوا يخططون للعودة والاستقرار في بلدانهم، غير أنهم جميعا تقريبا أجابوا بالنفي. اعترفوا بالحنين لموطن رأسهم، لبيتهم وحارتهم وأقربائهم وأصدقاء طفولتهم، لكنهم قالوا إن العودة لن تكون إلا من خلال زيارات اطمئنان قصيرة، أما العودة النهائية والاستقرار فلا.
وأسمح لنفسي بأن أطرح سؤالاً بعيدًا عن العواطف التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، وبعيدًا عن شعارات القومية والوطنية الزائفة: ما الذي يدفع العربي المغترب إلى العودة إلى وطنه؟
هل سيحظى في وطنه بالمساواة ذاتها أمام القانون، وبفرص العمل والخدمات ذاتها التي يحظى بها في بلد الاغتراب مع المواطن الأصلي الفرنسي أو الألماني أو السويسري مثلا؟ هل سيضمن أمنه في وطن تسوده الإضرابات والفتن والحروب وتدخلات الأجهزة الأمنية؟ وهل سيضمن مستوى لائقا من الحياة الكريمة في حال خسر عمله؟ هل سيضمن فرصة علاج جيدة لمرض مستعصٍ؟ هل سيضمن شيخوخة كريمة؟
هل بالفعل الغرب مادي فيما نحن روحانيون؟ أم العكس هو الصحيح؟ المادة متوافرة بالغرب لمن أراد البحث عنها، لكنهم لا يقتلون بعضهم بعضا طمعا في السلطة أو التزاما بتعاليم الاسلام السياسي.
أعتقد أنه يجب علينا تقبل الواقع كما هو، والبناء عليه من خلال تعزيز أوضاع الجاليات العربية في دول الاغتراب، والاستفادة من إمكانات تلك الجاليات في توطيد الصلات العلمية والثقافية والفكرية والاقتصادية مع الدول الغربية.
ومع موجات النزوح الكبيرة التي شهدتها دول عربية مثل العراق وسوريا التي بات الملايين من مواطنيها ينتشرون في دول أوربية عديدة، أصبح لزاما علينا بدل التفكير في عودتهم شبه المستحيلة إلى وطنهم، أن نشجعهم على الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، دون أن نقطع الصلة بهم أو الأمل منهم.
لا ضير من التعلم من التجربة اليهودية في هذا المجال، فاليهود رغم قلة عددهم تمكنوا من السيطرة على مفاصل المال والأعمال والدراسات والفكر في معظم عواصم العالم المهمة، واستطاعوا توجيه السياسات العالمية لخدمة قضاياهم الزائفة، والأجدر بنا نحن العرب أن نتعلم من تجربتهم لخدمة قضايانا العادلة.
بدلا من دعوة الكوادر العربية من أطباء ومهندسين وعلماء ورجال أعمال إلى العودة إلى أوطانهم -بذريعة أن تلك الأوطان التي ربَّتهم وأنفقت على تعليمهم أولى بهم-، علينا أن نفهم أنهم ربما يكونون مفيدين لنا في أماكن وجودهم في الغرب أكثر من فائدتهم لو عادوا للعمل في جامعاتنا ومستشفياتنا ومؤسساتنا غير المتقدمة.
أكتب وفي ذهني دول عربية تمكنت من عكس المعادلة، فبدلاً من هجرة مواطنيها للخارج باتت هذه الدول جاذبة، وربما تمثل حلما للبريطانيين والأمريكيين والغربيين بشكل عام، للقدوم إليها للعيش والعمل، وأتكلم تحديدًا عن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين التي أعرف أن كثيرًا من الأوروبيين قرروا البقاء فيها حتى بعد تقاعدهم. لقد نجحت هذه الدول بحق في تسخير ثروتها الطبيعية في إنشاء بنية تحتية قوية، وتوفير الأمن والاستقرار لمواطنيها ومقيميها وزوارها.
أعود من إجازتي في أوروبا هذا الصيف وأنا أكثر إدراكا وتصميما على المضي قدما في دوري فردا تجاه أمتي، البحرين ولبنان وسائر الدول العربية، وفي ذهني خطط لإقامة المزيد من المشاريع التنموية الثقافية التعليمية التي أبذل جهودي حتى ترى النور قريبا، فلا سبيل أمامنا سوى رفع إسهاماتنا أفرادا في عملية التنمية.
لا سبيل أمامنا سوى ترتيب بيتنا وجعله لائقا باستقبال أبنائنا وضيوفنا، قبل أن ندعوهم إلى العودة إليه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا