النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

تحرير المجتمع من الإشاعات والخوف على المستقبل

رابط مختصر
العدد 10734 الأربعاء 29 أغسطس 2018 الموافق 18 ذو الحجة 1439

في ظل الانتشار الواسع والتأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على حياة المجتمعات (إيجابًا وسلبًا)، وما يرافق ذلك من اشاعات باتت تهدد استقرار هذه المجتمعات، فإن مواجهة ذلك لن تتحقق إلا باعتماد الشفافية، باعتبارها معيارًا رئيسًا من معايير النظام الديمقراطي.
ومن هنا جاءت المطالبة المتكررة باقتصاد شفاف وبإعلام شفاف وبسياسات شفافة وبتنمية شفافة، وهكذا. وتأسيسًا على أهمية فكرة الشفافية، أصبح للدول ترتيب في سلمها يرتبط بالعديد من المفاهيم الأخرى ذات الصلة، مثل المحاسبة والمساءلة والحوكمة والإعلام الحر، وغير ذلك من العناصر اللازمة. إلا أن الشفافية قبل أن تكون حالة اقتصادية أو سياسية أو إدارية، هي حالة ثقافية ترتبط بالتقاليد الاجتماعية، ما يطرح سؤالا مهما: هل نحن مجتمعات شفافة؟ هل نتعامل بشفافية مع أنفسنا ومع أسرنا ومع محيطنا الاجتماعي والوظيفي، ومن ثمة مع الدولة؟
فكيف نطلب من إنسان لا يتصف بالصدق في حياته الشخصية، ومع أقرب الناس إليه، أن يكون مسؤولاً صادقًا تجاه وظيفته وتجاه التزاماته الوطنية؟
صحيح أن الشفافية أمر حيوي وأساسي لأي مجتمع ديمقراطي، إلا أنه يجب أن نفهمها على أنها تقاسم للمعلومات والتصرف بطريقة مكشوفة وواضحة دون إخفاء الحقائق، فهي تتيح للمجتمع ومؤسساته الدستورية والمدنية الأهلية والإعلام الحصول على المعلومات العامة والمهمة حول أي موضوع حيوي يهم المصلحة العامة. وقد يكون لهذه المعلومات دور حاسم في الكشف عن المساوئ والأخطاء والمساعدة على معالجتها على نحو صحيح بعيدًا عن الشائعات، لذلك تمتلك الأنظمة ذات الشفافية إجراءات واضحة لكيفية صنع القرار على الصعيد العام، كما تمتلك قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب مؤسسات المجتمع المدني والمسؤولين، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجمهور.
ومثالاً على الشفافية المتكاملة في مجتمع شفاف وواضح، يمكن أن نذكر الدول الإسكندنافية التي تتمتع بأفضل سجل في محاربة مختلف أنواع الفساد في المعاملات، إذ يتقلص وجود أنواع الخلل او التجاوزات بشتى أشكالها. ولا غرابة هنا أن تحل فنلندا في المرتبة الأُولى عالميًا في مؤشر محاربة الفساد في المعاملات الرسمية، وحصول كل من الدنمارك والسويد والنرويج على المراكز الثالث والسادس والثامن على التوالي على مستوى دول العالم، كما تحقق الدول الأوروبية الأخرى مثل أيسلندا وهولندا وسويسرا المراتب الأُولى في العالم في عدم تقبل الفساد بأي شكل من الاشكال.
إن الشفافية والمساءلة مفهومان مترابطان يعزز كل منهما الآخر، ففي غياب الشفافية لا يمكن وجود المساءلة، وما لم يكن هناك مساءلة فلن يكون للشفافية أي قيمة، ويسهم وجود هذين الجانبين معًا في قيام إدارة فعالة وكفوءة ومنصفة على صعيد المؤسسات العامة والخاصة. ولذلك يجمع العالم الحر اليوم على أن الشفافية تقوم على التدفق الحر للمعلومات وهي تتيح للمعنيين بمصالح ما أن يطلعوا مباشرة على العمليات والمؤسسات والمعلومات المرتبطة بهذه المصالح، وتوفر لهم معلومات كافية تساعدهم على فهمها ومراقبتها. وتزيد سهولة الوصول إلى المعلومات درجة الشفافية، ولكي تكون المؤسسات المستجيبة لحاجات الناس ولمشاغلهم منصفة، عليها أن تكون شفافة وأن تعمل وفقًا لسيادة القانون، فإصلاح المؤسسات وجعلها أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية ركن أساس من أركان النظام الديمقراطي. وتعتمد شفافية الأجهزة اعتمادًا كبيرًا على توافر المعلومات ومدى صحتها، ولذلك يتطلب النقاش النشط حول قضايا السياسات العامة، من هذه الأجهزة توفير مختلف البيانات التي تهم المصلحة العامة. وعليه، فإذا أردنا أن نعالج مشكلة ما يجب أن نعالج السبب قبل النتائج، وهذا يحتاج إلى مواجهة جريئة مع أنفسنا ومع مجتمعنا، نتحدث فيها بصراحة عن نقاط ضعفنا، وعن بعض العادات والتقاليد والمفاهيم التي أضحت عائقًا حقيقيًا في طريق أي تقدم. فمن مصلحة الجميع أن تكون هنالك شفافية، تتيح دوران المعرفة ووصول المعلومات ومراجعتها ومناقشتها حتى يكون هنالك وضوح في السياسات وفي اتخاذ القرارات المناسبة، فالمعلومات المتعلقة بالاقتصاد وبأوضاع السوق مثلاً تشكل عنصرًا أساسًا لقدرة القطاع الخاص على إجراء حسابات صحيحة.
إن الشفافية في النهاية عنصر رئيس من عناصر المساءلة يترتب عليه جعل جميع المعلومات العامة والتقارير متاحة للفحص والمراجعة والتدقيق، كما أن المطلوب احترام تحليل المعلومات من قبل المختصين لإعطائها المدلول الموضوعي وليس للمزايدة السياسية، مثلما يحدث في الغالب. فالشفافية تقي من ارتكاب الأخطاء في تقدير الموارد او التصرف فيها، لذلك يجب توجيه كل الجهود لتعزيز الشفافية؛ لأنها تتيح مساحة واسعة لحماية المصلحة العامة، وتستطيع وسائل الإعلام إحداث قدر كبير من التأثير في هذا الميدان، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدستورية الديمقراطية، فالشفافية هدفها أن تكون مقدمة للمساءلة والمحاسبة، خصوصًا عندما يتعلق الامر بإدارة الأموال العامة. كما أن المساءلة تتطلب وجود نظام لمراقبة وضبط الأداء، خصوصًا من حيث النوعية والكفاءة واستعمال الموارد، ولذلك فإصلاح المؤسسات لكي تصبح أكثر كفاءة ومساءلة وشفافية هو ركن من أركان النظام الديمقراطي.
ولا شك أن تجربة البحرين، بفضل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى، تتميز بوجود جهد ملموس ومهم في هذا السبيل. فهنالك رغبة معلنة والتزام رسمي، وهنالك مجلس للنواب ومجلس للشورى، وهنالك صحافة تتابع، ومؤسسات للمجتمع المدني، وديوان للرقابة الإدارية والمالية، وجميعها تمارس دورها في المساءلة والرقابة، ما يؤدي حتمًا إلى تحقيق قدر مهم من الشفافية. ولكن من الواضح أننا لا نزال في بداية الطريق، ونتطلع في المستقبل إلى أن يشهد هذا الأمر تطورًا أكبر؛ لأن الشفافية تعني تحمل المسؤولية، وإذا ما زرعت بين الناس، فإن المجتمع يتحرر من الإشاعات ومن الخوف على المستقبل، ومن الشكوك والاتهامات العشوائية، ومن مظاهر التذمر والشكوى والشكوك وإطلاق الاتهامات الجزافية، وبذلك يستطيع المجتمع أن يصحح مسيرته وأخطاءه باستمرار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا