النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

من أجل التقدم نحو المستقبل

التخلص من ذاكرات الاحتراب...

رابط مختصر
العدد 10732 الإثنين 27 أغسطس 2018 الموافق 16 ذو الحجة 1439

صنف الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في كتابه الشهير «الذاكرة، التاريخ، النسيان»، الذاكرة إلى ثلاثة مستويات وهي: المستوى المرضي – العلاجي المتعلق بالذاكرة المَعُوقة، والمستوى العملي المتعلق بالذاكرة المحرَّفة والمتلاعب بها، والمستوى الأخلاقي والسياسي المتعلق: «باستحضار الذاكرة تعسفيا بإعادة التذكر»، أو ما يسميه ريكور بـ «واجب التذكر». أو (واجب الذاكرة). وهو ما يعيق المبدأ البراغماتي الأساسي في الحياة السياسية والاجتماعية، وهو ضرورة قلب الصفحة، من أجل استمرار الحياة والعيش المشترك والمضي قدما نحو الأمام، بما يسمح بتأسيس «مواطنة متساوية حرة وعادلة ومشاركة في مؤسسات النظام الديمقراطي»، وذلك لأنه من دون هذه المواقف وهذه المبادئ، فإن المصالحة والوفاق الوطنيين سيكون مآلهما الفشل.
وفي هذا السياق انتقد ريكور توقف (اليهود) عند لحظة (المحرقة - الهولوكوست) والتي يعتبرونها لحظة تذكر فاصلة، ووضعوها ضمن خانة (واجب التذكر)، بما أعاق ويعيق مبدأ قلب الصفحة، من أجل المضي نحو حياة إنسانية، تتسم بالتسامح والتعايش في ظل المواطنة الكاملة. وهذا المبدأ أوصل الكنيست الإسرائيلي مؤخرا إلى إلغاء مبدأ المواطنة المتساوية، بتثبيت مبدأ الدولة القومية لليهود من دون غيرهم، في إطار الالتزام بواجب ذاكرة الهولوكوست، وإخراج غير اليهود من دائرة المواطنة والمشاركة.
وقد تعرض ريكور لحملة شعواء من قبل المؤسسات والشخصيات اليهودية في فرنسا وفي العالم، متهمين إياه بمعاداة السامية، لأنه طالب اليهود بنسيان المحرقة والتقدم نحو المستقبل، والتعايش مع الفلسطينيين والعرب الذين ليس لهم أي علاقة بالمحرقة، ولا أي مسؤولية عما تعرض له اليهود من اضطهاد في أوروبا، بخاصة في ظل النازية الهتلرية.
استحضر هذه المسألة باختصار شديد، وأنا أتابع ما يمكن أن نسميه بذاكرة الاحتراب التي يؤتى بها من أعماق التاريخ، لنسج مواقف سياسية طائفية وحتى عنصرية، للحؤول دون المصالحة مع الذات ومع الآخر الشريك، من أجل التقدم نحو المستقبل المشترك، في ظل دولة المواطنة المتساوية، والحياة السياسية المشتركة الحرة. ولمنع أي مصالحة وطنية لبناء دولة وطنية مدنية، تقوم على أسس المواطنة من دون الحاجة الى الاحتماء بذاكرات الاحتراب (التاريخية) أو (الوهمية) التي تنسج من حولها الخيالات والأفكار الوهمية والخرافية وحتى الأسطورية، لتبرير البقاء في خنادق الاحتراب الطائفي. ومنع الاعتراف بالآخر وبحقه في العيش بسلام واحترام.
فبالرغم من أن العالم المعاصر قد بدأ يتجاوز هذه الحالة من خلال سياسات العفو الدولية، والمصالحات الكبرى في أعقاب الحروب الأهلية والإبادات الجماعية التي شهد العالم نماذج مرعبة منها، فقد تطلبت هذه الفواجع إجراءات سياسية وقانونية، ومصالحات وإجراءات من أجل تحقيق العدل والإنصاف والحرية، وتجاوز بعض أشكال الذاكرة المتلاعب بها أيديولوجيا، إلا أنه من المؤسف أننا ما نزال إلى اليوم، نستعين ونستنجد بذاكرات الاحتراب، بدعوى (واجب التذكر) بحسب تعبير ريكور، من خلال الشعارات الرمزية والحديث عن (الثارات) و(الانتقام).. وما ينشأ حولها من قصص وروايات وخرافات لتثبيت الذاكرة الاحترابية، عبر عمليات متراكبة من التشويه والتحريف والتلاعب بأحداث التاريخ وسير الشخصيات، وتدريب عقول الأجيال على ذلك، لتثبيت العقدة ومنع المصالحة مع الذات ومع الآخر، واعتبار التعايش والاندماج والتجاوز (خيانة لواجب الذاكرة). وهذا عنصر أساسي من عناصر إعاقة المصالحة والتقدم نحو المستقبل.
لقد جرني إلى طرح هذا الموضوع ما تابعت مؤخرا من جدل وتعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رايتها محزنة في لغتها وفي انحطاط مقاصدها، حيث تأكد لي ما اعتقدته دائماً منذ أحداث 2011 بان هذه الصفحة المؤلمة، قد آن لها ان تطوى من أجل المستقبل، بالتحرر بداية من فكرة الاحتراب ومن ذاكرة الاحتراب، لأن أي عمل وطني جاد، لا بد أن يعمل من أجل ذلك، وإلا سيبقى البلد معطوباً. ولن يحدث ذلك والمجتمع متوتر وشبه منقسم على نفسه، خصوصاً أن هنالك من يستثمر في ذاكرات الاحتراب، واستحضارها من مكامنها التاريخية، او الخرافية، لجعلها حية فاعلة في الواقع، لتخفي الواقع العياني وآليات اشتغاله وعقده واجبة الحل. فما أحوجنا الى مصارحة تفضي إلى مصالحة وطنية، ووضع النقاط على الحروف، حتى يتحرر الناس من الأوهام التي نجح البعض في غرسها وتوظيفها بشكل انتهازي ومؤذٍ للجميع. وهذا الامر يحتاج، من أجل تحقيقه، إلى دور النخبة الواعية، وإلى إعلام عاقل وثقافة عقلانية منفتحة وعضوية، ورجال ونساء شجعان يسخرون الفكر الحر والرأي الصائب، في خدمة البلاد والعباد.
ولذلك لا بد بداية، من الجلوس حول طاولة تفكير عميق، وليس مجرد حوار سياسي يقوم على المزايدة. طاولة نقاش فكري حر يشخص ما حدث بالضبط بعقل منفتح، وبروح وطنية خالصة، وباستعداد للتجاوز. بما يفتح السبيل الى خارطة طريق واضحة للتقدم نحو طي الصفحة المؤلمة ومستلزمات ذلك. أما إذا بقي الأمر على حاله، فستعود باستمرار تلك الاسطوانة المشروخة، ونبقى ندور في ذات الحلقة المفرغة من ذاكرات الاحتراب.
قول على قول
قرأت مقالك حول الثقافة والوعي والتسطيح ومخاطره على العقول والنفوس، وقد عكس المقال وبكل عمق رؤية صائبة وتحليلاً معمّقاً. لأنه قول من الطراز الذي بتنا نفتقر اليه في خضم تداوليات اليومي الذي يعتاش على نقيض الفكر.. وينجرف الى الخوض في سقم الآسن من مستنقعات الطائفية.. التي باتت وباءً تخبو بتداعياته روح الثقافة وتذوي بفساده ريحان رونقها وروحها..وأتفق تماما مع ما جاء فيه.
لكن هناك وجها ثانيا للموضوع يعد الأبرز في تقديري ويتعلق بمدى تقبل الجمهور للعلم. فقد يستعمل الجمهور آخر المقتنيات العلمية لكنه يكتفي باستعمالها مما لا ينعكس إيجاباً على وعيه ولا يفرض التزامات فكرية على النخبة. إنها حالة انفصام بين الواقع المادي الذي تغير لفائدة فئات واسعة ومناهج تفكير لم تتغير بل تتشبث بتفسيرات خرافية غالبا وهذا ما يعني أن نكون خارج التاريخ. لا تكتفي المدرسة بتدريس العلم النظري، بل لا يد من شرح انعكاسات على الحياة اليومية حتى لا يتحول إلى مجرد أداة نفعية لترتيب الطلبة أو للحصول على درجات عالية أو العكس. وعلى المجتمع المدني ووسائل الاتصال السير في اتجاه المدرسة.
نقطة أخرى مهمة تتعلق بوجود بحث علمي فيما ينفع الناس حتى لا يفسح المجال للخرافة. النخبة تبحث دائما عن المرح، قلة الالتزام بعبارة أخرى، في جو خال من الضوابط.
إن وجود مؤسسات بحث غير نافعة في دقائق الأمور وتكتفي باستعراض نظريات عامة أمر مضر جداً لأن الجمهور لا يلمس فائدتها فلما لم يفهم جانب من الجمهور كنه النشرة الجوية ومفاهيمها اعتبر المذيعة التلفزيونية سبب الجفاف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا