النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

هل نزدهر معًا أم نهلك جميعًا؟

رابط مختصر
العدد 10730 السبت 25 أغسطس 2018 الموافق 14 ذو الحجة 1439

كنت في نقاش عميق مع مجموعة من الأشخاص حول مآلات المسألة السورية بعد نحو ثماني سنوات على اندلاع الثورة في هذا البلد العربي، وما هي الإجراءات الواجب اتخاذها عالميا لكسر شوكة بشار الأسد وعدم تمكينه من إعادة فرض نظامه الديكتاتوري المدعوم إيرانيا، لكن أحد الأشخاص الصامتين صرخ فجأة ليأخذ النقاش في منحى آخر تماما، عندما بدأ يتحدث عن الكوارث البيئية التي يتسبب بها البشر من تلويث الغلاف الجوي والاحتباس الحراري وذوبان قمم الجليد، ووضع مستقبل البشرية كله في خطر داهم.
في هذه الأثناء سادت أجواء من التعجب والغضب والامتعاض المكان، وذلك إزاء هذه الانعطافة العنيفة غير المبررة لمجرى الحديث العام.
رغم علامات التعجب على الوجوه، إلا أنني وجدت نفسي أتساءل: هل من الممكن أن نضع الصراعات الإقليمية والمناخ في ميزان واحد؟ نحن نفكر بالصراعات الإقليمية طوال اليوم، حتى أن أفكارا حول تبدلات المناخ وانقراض الأنواع الحيوانية تبدو تافهة. الصراعات الإقليمية يمكن أن تقتل الآلاف، فهل من الخطأ تجنب التفكير في كارثة مناخية محتملة يمكن أن تقتل المليارات؟
دونالد ترامب هو التجسيد الحي لهذه الحالة من عدم التوافق بين الجغرافيا السياسية والبيئة، يركز في جدول أعماله على «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» متجاهلا كثيرا من قضايا الإنسانية من بينها القضايا المناخية، وهو يعتبر أن الأنظمة المصممة لحماية البيئة ألحقت الضرر بالاقتصاد العالمي، وفي هذه الحالات لا يمكنه تصوّر أن الصناعة الثقيلة قد تلحق الضرر بالبيئة.
يمكننا أن نتخيل عددا قليلا من الناجين من الانهيار البيئي على مستوى الكوكب يجلسون معا في كهوف تحت الأرض ويتساءلون لماذا فشلت الأجيال السابقة في فعل أي شيء لمنع هذا النهاية؟
في الواقع، كنا مشغولين للغاية عن التفكير في تغير المناخ؛ لأننا كنا نقاتل فيما بيننا على الدين والسلطة والمنافسات الإقليمية، كان الزعماء الغربيون مشغولين للغاية في محاولة وقف تدفق اللاجئين من هذه الصراعات التي لا معنى لها، وكانت القوى العالمية الكبرى مشغولة للغاية بإلحاق الضرر باقتصادات الدول الأخرى من خلال حروب تجارية عقيمة ومدمرة.
على الرغم من الثروة الهائلة التي تملكها الاقتصادات الغربية، لم تكن هناك أموال كافية لمنع الأنواع المختلفة من حيوانات وحيد القرن والنمور والباندا من الانقراض، أو لمنع آلاف الكيلومترات من الغابات من التدمير، وتتجاهل شخصيات مثل ترامب بعناد جبل الأدلة العلمية بأن النشاط البشري له عواقب بعيدة المدى على البيئة، وتكمن المشكلة في أنه عندما ستصبح الأدلة دامغة جدا لإقناع هؤلاء المشككين سيكون الأوان قد فات بالنسبة لنا جميعا!
البشرية تزدهر معا، أو نموت جميعا معا، ولسوء الحظ، يبدو أننا نثبت بلا هوادة على طريق الصراع والتناحر والتوتر ما يجعل من المستحيل بالنسبة لنا أن نلتقي -أنواعا- لمواجهة التهديدات الحقيقية لبقائنا.
الإسلام بالتأكيد ليس الدين العالمي الوحيد الذي يأمرنا بحماية العالم من حولنا والعناية بالإنسانية، وبمعنى من المعاني، هناك التزام علينا كجنس بشري لإثبات ما إذا كنا نستحق البقاء والازدهار. لقد تم تمثيل الإنسانية من خلال سلسلة من الحضارات التي عرفت كل منها العظمة بطريقة أو بأخرى، ولكنها انهارت في نهاية المطاف لتحل مكانها مجتمعات أخرى جديدة أكثر حيوية أخذت الجنس البشري إلى آفاق جديدة. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الوراء على نطاق أوسع، فقد عرف هذا الكوكب أيضًا سلسلة من حالات الانقراض، إذ تسببت التغيرات المناخية أو استهلاك الموارد في القضاء على عشرات الأنواع المترابطة.
كانت الديناصورات ذات يوم تهيمن على الكوكب، وأدى انقراضها إلى ظهور الثدييات والبشر في نهاية المطاف. نحب أن نصدق أننا فريدون في الكون وأننا مفضلين من الله، لكن العديد من علماء البيئة يحذرون من أن البشر بدلا من أن يكونوا نعمة يشكلون أكبر تهديد للحياة على الأرض، ومن الصعب مجادلتهم في هذا الأمر، فربما نكون أكثر الأنواع ذكاءً، لكننا استخدمنا هذا الذكاء للتدمير الذاتي، ويبدو أننا لسنا أذكياء بما فيه الكفاية لمعرفة النتائج المحتملة لأفعالنا والقيام بأي شيء حيالها.
إذا كنا نعتقد أننا الكيانات المفضلة المختارة من الله من بين كل الحياة التي قد تكون موجودة في الكون، فمن المنطقي أن نكون قادرين على إثبات أننا نستحق هذا المنصب الرفيع. القصة القرآنية عن خلق الأرض تتحدث عن أننا «خليفة» في الأرض، فيا لها من مكانة مرموقة ومسؤولية كبرى، ولكن السؤال الجوهري هو كيف ننهض بهذه المهمة؟
قرأت أن إيران وحدها أنفقت ما يصل إلى 100 مليار دولار في الحرب على سوريا، فقط تخيلوا الحجم الكامل للإنفاق إذا أضفنا ما فعله الروس والأتراك والأمريكيون وغيرهم والنظام السوري نفسه في تدمير هذه الأمة، وبالمثل، قدرت تكاليف دافعي الضرائب الأمريكيين في الحروب الكارثية في العراق وأفغانستان بحوالي 2.4 تريليون دولار!!!
إذا توقفنا عن إنفاق مبالغ طائلة على تدمير بعضنا بعضا واستثمرت هذه الثروة التي لا يمكن تصورها في حماية كوكب الأرض ورفاهية البشرية، فبإمكاننا جميعا أن نعيش برفاهية مطلقة ونضمن استدامة هذا الكوكب الذي أوكله لنا الله.
لماذا يصعب التفكير بجدية في الجغرافيا السياسية والبيئة في الوقت نفسه؟ لأنه عندما ننظر إلى الصورة الأكبر فإننا مضطرون إلى الإقرار بأن معظم النشاط البشري غير مجدٍ ومدمر، ونحن مضطرون للاعتراف أمام الله وإخواننا الرجال والنساء بأننا إذا أردنا البقاء والازدهار، يجب علينا اختيار مسار مختلف جدا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا