النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

شــيء من أعــياد الطفولـة

رابط مختصر
العدد 10727 الأربعاء 22 أغسطس 2018 الموافق 11 ذو الحجة 1439

 بمناسبة عيد الأضحى المبارك، نزف إلى القيادة الحكيمة وإلى الشعب البحريني، وإلى المقيمين في البحرين، وإلى المسلمين كافة التهنئة بهذه المناسبة، سائلاً العلي القدير أن يحفظ البحرين حكومة وشعبًا والمقيمين على أرضها. ومنذ أمس، أول أيام العيد، كانت الدعوة مفتوحة للبحرينيين والمقيمين معهم على هذه الأرض الطيبة للاحتفال وإظهار الفرح على أوسع نطاق، فدعونا نحتفل كما ينبغي لنا الاحتفال، ونفرح كما يجب لنا أن نفرح، ونتأمل ونقيّم، فنحن شعب متمدن وعاقل، يقدر مناسبات الفرح ويمضي أوقاته فيها متسلحًا بإيمانه في الإرث الاجتماعي الراسخ.
 في العيدين؛ الفطر والأضحى، باستطاعة الإنسان أن يستعيد طفولته ويستحضر تفاصيل ذكرياته، ويستجلب معها وجوه البشر والأماكن والروائح التي تزامنت معها، ويستعرض كل الصور والمواقف التي تسبق العيد وخصوصا تلك التي تتصل بالاستعدادات المبكرة له والتي تجري في عشيته.
 المال والجهد هما العدة والعتاد اللذان يبديهما الأبوان بفرح وبنكران ذات. أطال الله أعمار جميع أمهاتنا اللاتي يحتفلن معنا بهذا العيد، وتغمد بواسع رحمته من غادر منهن دنيانا إلى دار الخلود، مورثات لنا رقة الروح وكرم الأخلاق وطيب المعشر. فالأم بالخصوص تسعد ببدء التحضير للعيد بكرم وأريحية وتحمل تبعاته والتهيئة له وتنهك في تحضيراته حتى تفيق على حقيقة أنها نسيت ذاتها من فرط الانشغال في تحضير احتياجات أبنائها. لله در الأمهات، وما أروعهن في كل حين.. في الأفراح وفي الملمات والشدائد.
 العيد فرحة طفولة لا متناهية، كان الأطفال في نهاية المطاف، وعلى عكس ما هو حاصل اليوم، يستسلمون بعد نوبة من البكاء والنحيب الفاجع إلى قرارات آبائهم في اختيار اللباس الجديد الذي يرونه مناسبًا لهم. ولا يعتقدنّ أحد أن سبب هذا البكاء والنحيب بخل آبائنا رحمة الله عليهم جميعًا، وإنما هو ناتج وقتها عن ضيق ذات اليد الذي من آثاره اليوم أن الآباء والأمهات يضعون كل ما يملكون من مال تحت طلب أبنائهم تعويضًا عن معاناة آبائهم من جراء ضيق ذات اليد. فعلى الرغم من أن ما يكتسيه الطفل منا من لباس لم يكن من اختياره مائة في المائة، إلا أنه ينبري مدافعًا عن مظهره في هذا اللباس وعن قيمة ما يلبس، وهذا به شيء من إبداء الشكر والثناء لوالده.
 من الصور المحفورة في الذاكرة تقاطر الآباء مصطحبين معهم فلذات أكبادهم إلى أماكن الحلاقة غير الموجودة في القرى عمومًا، ومحدودة العدد في المدن، على عكس ما هو موجود الآن، حيث تجد في «الفريج» الواحد أكثر من حلاق. ومن الملاحظ آنذاك أن الطفل حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة ويمكن أكثر، يذهب بمعية والده ليجري الحلاقة، فترى «دكان» الحلاقة ممتلئًا عن بكرة أبيه. ما يحدث بالنسبة إلينا أهالي قلالي هو أننا نذهب من قلالي إلى المحرق للحلاقة، وفي غالب الأوقات نعود من دون أن نجريها بسبب ازدحام «دكان» الحلاق. ما كان يشكل قلقًا للأم يخفي ملامح فرحتها إلى حين، هل يجوز أن يحل العيد وابنها أو أبناؤها دون حلاقة؟!
 أما البنات فإن تحضيراتهن تسبق بكثير تحضيرات الأولاد، كما هو الحال اليوم، فهن، في مظهر واحد من مظاهر الاستعداد التي أذكر، يستكن منذ وقت مبكر إلى حرارة الجمر، إذا ما تزامن العيد مع فصل الشتاء، فهو يبعث بحرارته إلى كفوفهن وأقدامهن ليسهم في الإسراع بتجفيف الحناء التي ستكون نقشتها مصدر فرح وحبور لقلوبهن. أكرر إنه بإمكان الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد، ولكن هيهات أن يستعيد فرح العيد وهو قد غادر طفولته. ويمكن لهذا السبب أننا نلجأ إلى طرق باب الذكرى لاستحضار بعض من المشاهد وإحيائها لتستمد من نفحاتها ما يعطر حاضرنا ويزرع فينا بذور الفرح الدائم.
 وعطفًا على إحساسي الشخصي، يبقى العيد حالة من الحنين إلى الماضي ليس من اليقين الإمساك ببهجة لحظتها إذا لم تسارع إلى هتك أستار الماضي واستحضار طفولتك من خلفها. وإذا ما سألت ذاكرتي عن حجم الفرحة بالعيد قبل خمسين عامًا فإنها ستشير إلى حضور فن الطرب والغناء بوصفه أكثر الفنون تجسيدًا لحالات السعادة والحبور بالأعياد، وتعبيرًا عن اللحظة حتى لا تفلت من دون تسجيل حضور لها في ذاكرة المحتفلين.
 إن فنون ذلك الزمن لمعبرة عن المناسبات المفرحة، ففي أيام الأعياد الدينية والوطنية على حد سواء تنتشر الفرق الفنية على اختلاف أنواعها، لقد كانت الفنون الشعبية، مثل العرضة (الرزيف) وبعض فنون الغوص والليوة، وكذلك المراداة التي ضيعها عدم الاهتمام بالتراث فباتت مفردة لا معنى لها بدءًا من جيل السبعينات فصعودًا، كانت هي التعبير الأمثل عن بحرين التسامح والتحاب والتراحم، وكانت هذه الروابط الوجدانية والفكرية والاجتماعية كلها مجسدة فيما كان يجري من طقوس ومراسم احتفالية لا تخلو البتة من الرقص والطرب والانتشاء دون حرج ولا خوف.
 تقام هذه الفعاليات التي ابتدعتها الذاكرة الجمعية على امتداد نهارات الأعياد الدينية والوطنية؛ لتكسر الروتين وتثري حياة الناس بمزيد من فرص البهجة، كل هذا فضلاً عن الحفلات الليلية التي يحييها المطربون البحرينيون والعرب، وبالرغم من ذلك فقد ارتحل آباؤنا إلى البارئ عز وجل بعد عطاء للوطن حافل بالمنجزات وهم كلهم إيمان وخشوع ووطنية. لم يواروا فرحهم خلف الفتاوى التي تسبق الأعياد ومناسبات الفرح، كما هو الحال اليوم، فتنكد علينا حبّنا للفرح وإيماننا بالحياة بهجة مستمرة رغم الأنواء والأزمات. وإذا ما سألتني قارئي الكريم «أين كل هذا الآن؟» أقول لك: رغم أن شيئًا من ذلك مازال موجودًا في ميراثنا الشعبي وبالتالي في سلوكنا الاجتماعي، لكن محدوديته تعود إلى ما سُمي بزمن «الصحوة»! يا حسافة والله.
 ولعلي في هذا الإطار أسأل سؤالاً مفاده: «أليس العيد مناسبة فرح في كل وقت وحين؟» إن هذا الفرح يُعبر عنه بطرائق مختلفة تتجمع في ذاكرة الناس تحت اسم عادات وتقاليد، ولهذا نجد أن لكل جيل طريقة في إظهار فرحه بالأعياد والمناسبات، ويبقى المشترك بين الأجيال كلها هو وجود هذه الأعياد والمناسبات بذاتها، متنفسًا للتعبير عن هذا الفرح. أما أولئك الذين يقفون حائلاً ضد رغبات الناس في إظهار أفراحهم، وتصويرها على أنها حالات «مجون» وترف زائد، فليحتفظوا بحالات تبرمهم وسخطهم لأنفسهم، وليكونوا بمنأى عن المجتمع لكيلا ينقلوا إليه عدوى البؤس ومناقضة قوانين الطبيعة، وليتذكروا أن الله جميل يحب الجمال!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا