النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

صلابة الموقف السعودي رفض انتهاك السيادة.. أو تزيين منطق الوصاية

رابط مختصر
العدد 10727 الأربعاء 22 أغسطس 2018 الموافق 11 ذو الحجة 1439

أعادت الأزمة الديبلوماسية بين المملكة العربية السعودية الشقيقة، وبين كندا، والناجمة عن تورط السلطات الكندية في التدخل في الشأن الداخلي للمملكة، النقاش الدائر منذ سنوات حول مبدأ ومفهوم السيادة الوطنية بين السياسيين والحقوقيين ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية المشتركة.
فالتدخل الكندي -تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الانسان- كان خرقاً لأسس العلاقات بين الدول، كما حددتها المواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ولذلك كان رد الفعل السعودي من حيث سرعته ومداه، معبرا عن رفض قاطع لأي نوع من أنواع التدخل في الشأن الداخلي، ومهما كانت الذرائع الدافعة إلى ذلك.
لقد قامت العلاقات الدولية على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وأن هذا المبدأ شكل أحد أهم الركائز القانونية التي أقرّها ميثاق الأمم المتحدة، ولكن، ومع ذلك سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة أن أصدرت عدة قرارات لاعتماد نظام عالمي جديد يهدف إلى تقديم المساعدات للأقليات وقت الكوارث والحروب، وقد تبع ذلك قرارات عدة لمجلس الأمن بإرسال قوات إلى بعض المناطق الساخنة لحفظ السلام والقيام بمهمات إنسانية، بما في ذلك الدخول إلى إقليم (تيمور الشرقية) واقتطاعه من الدولة الأم، تحت عنوان «وقف انتهاكات حقوق الإنسان هناك»، وكان ذلك قراراً خطيراً، لما ترتب عليه من آثار عديدة تركت بصماتها على العلاقات الدولية، ومنها ما يتعلق بانتهاك سيادة الدول من خلال تشريع التدخلات المباشرة العسكرية والسياسية، وعودة الوصايا بأشكالها القديمة والجديدة. وقد رأينا بعد ذلك الترجمة العملية من خلال عودة الوصاية في كل من أفغانستان والعراق، بالإضافة إلى المحاولات المحمومة لفرض الوصاية على إقليم دارفور السوداني. وغيره من المناطق الأخرى.
ولعلّ هذا التحول في اتجاه الحد من السيادة الوطنية قد جاء نتيجة تداعيات التفتّح والاندماج، التي شهدها العالم إثر انهيار المنظومة الاشتراكية وبروز كيانات وتجمّعات إقليمية، وترسّخ مسار العولمة بما أتاحه من تحكّم الشركات المتعدّدة الجنسيات والهيئات المالية الدولية في اقتصاديات الشعوب والتشكيك في الأدوار التقليدية للدولة بعد تراجع سلطاتها على الصعيد الوطني، اتساع نطاق انتهاك حدود الدولة الاقتصادية والسياسية والمساس بهويتها الثقافية الوطنية، وخضوعها لضغوطات من الهيئات الأممية والدولية، حيث بدا واضحاً أن السيادة الوطنية هي على رأس العناصر المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية الجديدة التي أسقطت معاني السيادة الاقتصادية والثقافية لتسقطها في تجارب أخرى على شاكلة التجربة العراقية بطريقة فجة وعنيفة في معانيها السياسية، بل والحضارية والوجودية. كل ذلك باسم ديانة عالمية جديدة هي الديمقراطية الليبرالية المحفوفة بكل صنوف الشروط والاشكال الساعية في مجملها إلى الصيغة الأمثل لحماية مصالح رأس المال والمجمعات الصناعية والعسكرية الرأسمالية والاستعمارية. كما قد تبرز أحياناً في صيغ دعم الإصلاح السياسي المفروض من الخارج، بما يفتح المجال أمام مسارات غامضة مطلة على المجهول.
إن سرعة وقوة الرد السعودي قد جاء إدراكا لمخاطر التدخل وأبعاده المقصودة على صعيد ممارسة السيادة الوطنية وتطبيق القانون الوطني في حدود الإقليم. وذلك لأنه لا سيادة في الحقيقة إلا للأقوياء عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتتدرج درجات هذه السيادة، بعد ذلك بحسب حجم القوة السياسية والمادية والعسكرية، فهنالك دول لها سيادة مطلقة على العالم وعلى مجلس الأمن وعلى القرارات الدولية وعلى البحار والمحيطات والأجواء، تفعل ما تشاء وتستخدم الفيتو في وجه كل ما يعترض مصالحها، وهنالك دول منتهكة السيادة بشكل كامل.
ومن الواضح أن التدخل الكندي الفج، لم يقم على أساس قراءة وواقعية للمكانة التي تحظى بها المملكة الشقيقة، ولا الإمكانيات الهائلة التي تمتلكها على كافة الأصعدة، ولا على ما يمكنها أن تفعل عندما تصبح سيادتها معرضة لأي نوع من التدخل والانتهاك. بل إن مواقف المملكة العربية السعودية على الصعيدين الإقليمي والدولي معلومة، بقوتها وجديتها وصلابتها ومبدئيتها، ولذلك يقرأ لها ألف حساب.
وعليه نعتقد أن الموقف السعودي كان درساً في الدفاع عن السيادة، وفي توظيف المقدرات للدفاع عن الكرامة، ورفض أن نوع من أنواع التدخل الخارجي في شؤونها.
إن المطلوب على مستوى الأوطان العربية، في مثل هذه المناخات الصعبة، والتي يتكالب فيها علينا القاصي والداني، ثبات الرؤية الوطنية التي تضع كل أهداف وممارسات التطوير السياسي الوطني، رهن الجهد الوطني الداخلي الذي لا يقفز على المراحل، ولا تعنيه أجندات الخارج المفضوحة في ارتباطاتها بلعبة المصالح الدولية. بل تركز المسار على رصد حاجيات الداخل الوطني وموازنة خطوات الإصلاح والتطوير السياسي، مع جهود التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مسار واحد لا يفصل بين أبعاده.
وإنه لمن المؤسف هنا أن نستذكر، أن جزءاً مما يسمى بـ«المجتمع المدني» في عدد من الأقطار العربية، قد أصبح اليوم لا يعمل بالمبدأ الوطني، بالرغم من كونه يعلن انه كذلك. وهو في الحقيقة-ومهما بلغت أهميته- لا يمكنه الحلول محلّ المواطنين أو محل الدولة أو محل القانون السيادي. وليس هنا من تناقض محتمل بين شبكة الجمعيات والدول كممثلين للأمم والشعوب، بل البذور الأولى لتعاون ضروري يفترض أن يكون على أساس وطني سيادي بالدرجة الاولى، وعلى أساس حماية الاستقلال والسيادة الوطنية، ورفض انتهاك السيادة الوطنية بأي شكل من الأشكال، والتي ما تزال تُمثّل، في بلداننا العربية خصوصا، مطلباً للشعوب والحكومات على حد سواء. فإنّ الدولة ما تزال تمثّل الإطار الأهم والأضمن والأقوى، لممارسة السلطة، وتأكيد حضور الشعوب وتكريس الاستقلال الوطني، وحماية الثروة الوطنية، بسبب تمتّعها ببناء صلب، للدفاع عن حقوق المواطنين والحؤول دون الاستغلال الدولي للموارد من قبل الشركات متعدّدة الجنسية. بيد انه ليس من قدر العالم أن يبقى في مواجهة هذا الوضع المتكالب الذي تتعرض فيه العديد من الدول لانتهاك سيادتها بأشكال متعددة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا