النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10846 الأربعاء 19 ديسمبر 2018 الموافق 12 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:57AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    2:30PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

عودة كسينجر إلى الساحة الدولية

رابط مختصر
العدد 10726 الثلاثاء 21 أغسطس 2018 الموافق 10 ذو الحجة 1439

بعد غياب طويل دام أربعين عاماً، هناك غيوم تمطر رذاذاً من الأخبار تفيد بعودة هنري كسينجر الى المسرح الدولي. كان كسينجر فارس الدبلوماسية الامريكية في عهد ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد من 1973 الى 1977. في هذه الفترة كانت امريكا مثقلة بأعباء محرجة ومقلقة، الحرب الڤيتنامية كانت تحرق الأخضر واليابس من الطرفين، بينما الذراعان الشيوعيان السوڤييت والصين في حالة شبه استرخاء، والدولار كان يعاني من فقدان دوره العالمي بعد رفع غطاء الذهب عنه، والقضية الفلسطينية بما تمثله من خطر على الأمن الاسرائيلي كان هاجساً مقلقاً لامريكا، إضافة الى خوفها من تقارب سوڤييتي ـ صيني رغم وجود بعض من الخلافات السياسية بينهما. استطاع كسينجر بحنكته وذكائه وصبره، وبما يحمله من مبادئ وأفكار ترجح الحوار والتفاوض وتجنب المواجهات العسكرية، وضرورة الحفاظ على ميزان النظام العالمي، أن يعالج تلك القضايا، إن جهوده في الحوار والتفاوض نجحت في إنهاء الحرب الڤيتنامية، وإنقاذ الدولار بمعادلة البترودولار، وفتح أبواب التفاهم مع مصر وسوريا بخصوص الوضع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، والتقرب مع الصين الشعبية القوية والكبيرة على حساب الصين الوطنية الحليفة المسنودة الضعيفة والصغيرة، وتبوب الصين الشعبية كرسياً دائماً في مجلس الأمن. هذه إنجازات عظيمة في مقاييس الجهد والزمن، وهي إنجازات نوعية انقذت امريكا من معضلات صعبة و معقدة.
في غياب قيادة دبلوماسية من مقاس كسينجر تعاقبت على امريكا قضايا لم تعالج بحنكة دبلوماسية دولة عظمى، فكان التخبط في أفغانستان وما نتج عنه من تشكيل ميليشيات عقائدية (إسلامية - (القاعدة) دعماً للسياسة الامريكية، والتبعات الكارثية التي نتجت عن هكذا سياسة، سياسة سطحية ساذجة لم يكن باستطاعتها سبر غور الأحداث ولا التنبؤي بتبعاتها، وحصل الذي لم تحسب له امريكا أي حساب، هجوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
أمريكا دخلت في منعطف سياسي غير مسبوق بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهذا المنعطف إدخلها في نفق مظلم طغت فيه غمامة العاطفة على وضوح الرؤية، ومن سوء حظ أمريكا والعالم أن الهجوم وقع في عهد الرئيس جورج بوش الإبن، وهو يميني ذات طبيعة مشاغبة تستهويه المغامرات على حساب ميزان العقل والتفكير العقلاني، ولم يكن في وارد فهمه ولا قناعته أهمية ميزان النظام العالمي من أجل ضمان الأمن والسلام العالمي. وهو بهذه الصفات يكون أكثر ميلاً إلى الحلول العسكرية وخيار الحرب، بدل الحلول الدبلوماسية والحوار والخيار التوافقي السلمي، وقد كانت وزيرة خارجيته السيدة كوندوليزا رايس خير معين في هذا المنحى السياسي، والتي كانت من دعاة نشر (فرض) الديمقراطية في العالم و خاصة في الشرق الأوسط، المنطقة الحساسة نفطياً وإسرائيلياً بالنسبة لأمريكا. وكان ذروة هذا المنحى السياسي هو غزو العراق في غياب الإجماع المطلوب من مجلس الأمن الدولي، وامريكا بهذا الغزو تكون قد تعدت حدود القانون الدولي، وكان هذا الغزو هو المنحى الأكثر حرجاً بالنسبة للنظام العالمي والأكثر قلقاً بالنسبة للدول والشعوب. بعد هذا المنعطف الحاد والخارج على قواعد النظام العالمي جاء الرئيس الديمقراطي باراك اوباما وهو يحمل في جعبته شيئاً وبعضاً من التطمين لشعوب العالم و خاصة شعوب الشرق الأوسط، وبالنتيجة محاولة العودة الى الاسرة الدولية تحت سقف النظام العالمي والقانون الدولي، ورغم انه حصل على دورتين انتخابيتين للرآسة إلاّ ان تيار اليمين الجمهوري كان له بالمرصاد وحصل على كرسي الرئاسة ودخل دونالد ترامپ البيت الأبيض.
مع دونالد ترامپ، رجل الاعمال الناجح، وصاحب التصريحات شبه الشعبوية والفجة أحياناً، حدث تنافر بين امريكا وحلفائها الغربيين ومع تركيا وهي العضو البارز والمهم في التاتو، وطالت تصريحات ترامپ مكانة حلف الناتو. ورغم تصريحاته النارية تجاه كوريا الشمالية إلاّ أنه استطاع ان يقابل الرئيس الكوري الشمالي ويزيل حالة التوتر معها، وهذا يعد إنجازاً كبيراً في اتجاه الأمن والسلام الدوليين، وموقفه من النووي الإيراني هو على شاكلة موقفه من كوريا الشمالية. بالرغم من خطابه الناري إلاّ انه لم يثبت بعد انه من دعاة الحرب. لكنه يميل بالسياسة الامريكية إلى حالة مستقلة عن الحلفاء وعن القانون الدولي، وهذا نهج ليس من صنع ترامپ ولكنه نتيجة لتبعات وتراكمات ما نتج من سياسات سابقة بسبب الحادي عشر من سبتمبر وحالة الفوبيا التي تملكت القادة الأمريكان، وترامپ هو الذي شاءت الظروف ان يكون الرئيس في هذه المرحلة. هذه الدراما السياسية المتأججة والمتأرجحة في امريكا والتناقضات في علاقاتها الدولية، وخاصة مع الحلفاء يشير الى ان امريكا امام تقاطع طريق تاريخي حساس، فأمريكا تجد نفسها امام خيارين، إما العمل بمفردها وخارج القانون الدولي والنظام العالمي، أو العمل ضمن نظام دولي جديد باعتبار أن النظام الدولي السائد لم يعد صالحاً للمرحلة التاريخية الراهنة وأنه فشل في تحقيق الامن والسلام اللذين هما الهدف الأساس من النظام الدولي تحت مظلة منظمات هيئة الامم المتحدة. الرئيس الامريكي مدفوع دفعاً شبه لا إرادي في هذا الاتجاه، ولكنها الظروف الموضوعية والتي هي أقوى من أية إرادة. امريكا امام تطورات نوعية في حاجة الى جهد سياسي ودبلوماسي نوعي.
إن شروق نجم كسينجر بعد غروب طال أمده لم يأتِ من فراغ ولا هو شروق كيفي وعودة على هوى الرغبة الشخصية لكيسنجر نفسه، إنما هناك أطراف من كلا القطبين، الامريكي والروسي، رأوْا أن هناك ضرورة تاريخية وملحة لمهندس سياسي محترف في المعادلات الديبلوماسية وله تاريخ في تحقيق إنجازات نوعية على الساحة الدولية لتخطي المرحلة الحرجة الحالية بسلام والوصول إلى بر الأمان بما يرضي القطبين ويطمئن المجتمع الدولي. هذه المواصفات وبناءً على تاريخ الدبلوماسية بعد الحرب العالمية الثانية لا تتوفر أمريكياً إلاّ في شخص هنري كسينجر، ويبدو أن العرف الدولي السائد يقتضي أن يكون هذا المهندس السياسي أمريكياً. بعد الحرب العالمية الثانية لم يشهد العالم إلا القليل، في منصب وزارة الخارجية، من السياسيين المحنكين ذوي القدرات الدبلوماسية التي تعمل على الحوار والمفاوضات وتجنب الحروب، ومن أهم تلك الشخصيات هنري كسينجر وجيمس بيكر ومادلين اوبرايت وجون كيري، إلاّ ان كسينجر يتفوق على بقية اطنابه في الإنجازات وفي الحرفية الدبلوماسية وملكة الذكاء، وكانت لهؤلاء الكلمة المؤثرة والمسموعة لدى رؤسائهم. أما بعد هجوم الحادي عشر من سيبتمبر وتبعاته فقد تحولت الخارجية الامريكية الى وزارة خدمات ورأي، يقبل بها الرئيس أو لا يقبل، وخاصة في عهدي جورج دبليو بوش (الابن) ودونالد ترامپ.
مع عودة كسينجر الى ساحة لعبة الامم، وهذا هو المتوقع، فإنه سيجد نفسه أمام قضايا استراتيجية لها طابع مصيري بالنسبة للخيار الامريكي عند تقاطع الطرق، وبالنسبة لمصير بقية دول العالم. وأهم القضايا تتمحور حول حالة العزل التي تعانيها امريكا، مع صعود نشاط صيني غير مسبوق، وما تعانيه أوروبا من حالة التشظي، والتحالف الاستراتيجي ببن روسيا والصين، هذه كلها مستجدات قوية وحساسة تخل بميزان النظام العالمي. إن تخطي أمريكا لمبادئ القانون الدولي، في السنوات الأخيرة، مَس قاعدة السيادة الوطنية المبنية على مبادئ إتفاقية وستفاليا عام 1684، بعد حرب الثلاثين عاماً في أوروبا. ومع تصاعد قوى سياسية قوية ومنافسة فإن العلاقات الدولية في حاجة اكبر إلى المرونة والواقعية واعتماد القانون الدولي مرجعاً لهذه العلاقات. وهناك حاجة ملحة للتفاهم بين الصين وأمريكا بشأن الأمن والاستقرار في شبه القارة الكورية والخروج بمعادلة مرضية بشأن النزاع في بحر الصين. هذه هي التحديات الأساسية التي تنتظر كسينجر إذا ما تم الإتفاق على عودته الى الساحة الدولية بصفة وزير خارجية أو مستشار الأمن القومي. وكان من كان في هذا المنصب، فإن امريكا في حاجة إلى معالجة هذه القضايا حتى لا تعود الفوضى إلى العالم في غياب الحوار والتفاهم بين الأقطاب الكبار...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا