النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الدور التخريبي لإيران

زرع الطائفية وإشعال الحرائق

رابط مختصر
العدد 10725 الإثنين 20 أغسطس 2018 الموافق 9 ذو الحجة 1439

مواصلة لما أثرناه في المقال السابق حول التقوس عن الثوابت العربية، جرى بيني وبين أحد الأصدقاء نقاش صريح حول الدور الإيراني في الفتنة واشعال الحرائق وزرع الطائفية.
قلت للصديق:
يثير الدور الإيراني المتصاعد في تخريب العلاقة بين «العرب الشيعة والعرب السنة» في أكثر من بلد عربي، ردود أفعال متفاوتة، البعض يعيد المشكلة إلى العرب أنفسهم الذين يقوم تاريخهم على خلفية الصراعات والتفكيك والتفتيت والخوف من الوحدة والتوحد، وبعضهم يؤكد أن للثورة الإسلامية في إيران، الدور الرئيس في التحريض على الفتنة. فقد قامت إيران الخمينية بأكبر عملية تمرير للثقافة الطائفية، وتفريغها في المحيط العربي بكل قوة وخبث، وبشكل ممنهج، باستخدام كافة الوسائل الدينية والثقافية والتعليمية والإعلامية... تلك الثقافة لم تكن موجودة عند العرب أصلا، فالطائفية ليست ركيزة من ركائز العلاقات الاجتماعية أو السياسية في تاريخ العرب السياسي الحديث. ومن أهم أهداف الحملة الإيرانية التي استمرت حوالي أربعة عقود، العمل على دفع الشيعة العرب للاصطدام بحاضنتهم العربية الواسعة، من خلال العزف على أوتار نصرة قضاياهم. وبالرغم من ذلك فإن هذه الآلة الجهنمية لم تنجح تماماً في تحقيق أهدافها. ففي اوج الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثماني سنوات، فقد انحاز العرب شيعة وسنة الى عروبتهم واستماتوا في الدفاع عن الوطن العراقي، حيث جرت تلك المواجهة على أراضيهم، وبقياداتهم العربية، ولم تزد تلك الحرب العراقيين (شيعة وسنة) إلا قناعة بمخاطر المشروع الإيراني الطائفي العنصري. لقد أثبتت المنازلات التاريخية أننا -شيعة وسنة- أمة واحدة تجمعنا الرابطة العربية والرابطة، ولكن نخشى ان يكون المشروع الإيراني قد تمكن من تحقيق بعض الاختراقات من خلال التمكن من التأثير في قناعات بعض الجماعات التي تم تجنيدها أو تشكيلها سياسيا او مليشياويا، للأسف فهنالك أسباب متعددة وراء هذا التراجع عن الثوابت الذي وصل الى بعض القناعات فهزها هزا. نعم اننا نعاني من مشكلة انخرام النسيج المجتمعي، وكنت على قناعة دائما بان هذا الانخرام اجتماعي - اقتصادي وليس طائفيا، ولذلك كان النضال العربي من خلال الدولة الوطنية وعبر أكثر من نصف قرن من الاستقلال هو نضال اجتماعي وسياسي من اجل العدالة الاجتماعية، اما اليوم فإن النزعات الطائفية التي جاءت مع الثورة الخمينية، فقد نجحت في اختراق جزء من جسم الأمة، عندما نقلت الصراع من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية في إطارها السياسي والمدني، الى صراع طائفي مفتعل، فبالانتهازية السياسية، وباقتناص الفرص يقوم البعض باستغلال الطائفية من أجل مصالحهم الشخصية، وليس من أجل الديمقراطية كما يدعون، ولتتحول المفاهيم الطائفية إلى أدوات يجري خداع الناس من خلالها، لصالح بعض القيادات الطائفية وليتذابح البسطاء... وبذلك يعجز النظام الطائفي الذي تشكله مثل هذه القوى المريضة عن إنتاج الحداثة وفهم الإسلام في سياق حداثي وديمقراطي حقيقي.
قال الصديق: «إن قولك إننا أمة واحدة يجمعها التوحيد تحت راية الإسلام والعروبة.. صحيح ولا غبار عليه، لكنه يبدو حلما جميلا في ليلة شتوية؛ لأن جل الأسباب التي تجعلنا قابعين في هذا المربع -إن لم نقل كلها- هي أسباب ذاتية لا موضوعية، فما المانع من الانتقال من صيغة «التعاون» إلى صيغة «الاتحاد»؟ وهل عجزنا عن تقوية النسيج الداخلي بما يكفل لنا عدم الاختراق من إيران أو من غيرها؟ انه سؤال يجب أن نجيب عنه جميعا قيادات ونخبا وشعوبا. عروبتي وديني أقدس ثوابتي ودونهما الموت، ولا تراجع عن الثوابت يا صديقي، نعم نحن أمة واحدة، ولكنها أمة مقسمة ومجزأة ومفتتة ومحتربة.. الواقع المر هو أننا نقتتل اليوم على أسس طائفية، وعرقية، ومناطقية، نحن أمة تأكل من كتفيها، وتستغيث بقاتليها.. وأولى خطوات التغيير هي فضح هذا الواقع وتعريته والعمل على تقوية بنائنا الداخلي لتعزيز المناعة ضد الاختراق.
قلت للصديق وقد بدا عليه حزن غريب:
لا تعجبني هذه النبرة السلبية بالرغم من سواد الأوضاع، وحتى الاقتتال لن يستمر طويلا، المشكل هو في النكوص عن الثوابت، وهذا لا يجب أن يكون مجرد شعار عاطفي، بل يجب أن يكون قناعة تدفعنا إلى مقاومة عوامل النكوص ومنها اليأس الذي تعبر عنه كلماتك التي تقطر حزنا... الصراع الحقيقي الذي يجب أن نلتفت إليه، هو صراع اجتماعي ضد الفقر والجهل والمرض والأمية والفكر المتخلف، وضد الاعداء الخارجيين، أما الصراع الطائفي فهو مجرد أكذوبة لحرف الناس عن حقائق الأمور، الفكر الطائفي -إن صح أن نسميه فكرا- هو ما تجرنا إليه إيران كآلية للتلاعب بنا لصالح مصالحها القومية، المشكلة ان الوطن العربي ضعيف ويمر بحالة اهتزاز، وهذا ما يساعد إيران على الاختراق، وهذا اسهل السبل لتحقيق مثل هذا الهدف..
بداية المعركة في رأيي تبدأ من محاربة الطائفية وبيان زيفها وما تحاول ان تخفيه من غش. أما عما اشرت إليه من الحاجة الى فضح الواقع وتعريته، فأول مدارج الفضح التأكيد أن الاستعمار هومن سعى في السابق إلى تشجيع الولاءات اللاوطنية، وتعزيز مظلة الأفكار الطائفية، والإبقاء على بنيتها وهياكلها الأساسية، وحتى حين نشأت الحركات الوطنية والقومية، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج الثقافة الطوائفية والتخلف وأضفت على الطوائف جوهرا غيبيا خارج سياق التحليل التاريخي، وأظن ان إيران الخمينية تحاول منذ عقود إحياء النزعات الطائفية، لتحقيق مصالحها الهيمينة على حساب النظام العربي المنهار.
ختم الصديق الحوار بنبرة حزينة:
أنا بالفعل حزين، ولكنني لست يائسا، حزين لأن صوت الكراهية والتفرقة الطائفية صار عاليا ويكاد يغطي على كل ما يجمعنا.. فأنت تذكر ولا شك من دروس التاريخ أن الصراع الطائفي الذي تفاقم خلال الصراع الصفوي الفارسي -التركي، لم يكن مسلطا على طائفة عربية دون أخرى، بل كانت الطائفتان ضحيته بالتناوب، مع التأكيد على الدور السلبي والتخريبي الذي قام به بعض رجال الدين من الطائفتين مؤيدين بهذا دورهم القديم كمشعلي حرائق وهذا دأبهم على مرور الأزمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا