النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

عبث إيران بسيادة العراق

رابط مختصر
العدد 10722 الجمعة 17 أغسطس 2018 الموافق 6 ذو الحجة 1439

 لم يكن تراجع رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته حيدر العبادي عن قراره السابق بتنفيذ العقوبات الأمريكية على إيران مفاجئا، لأنه ليس أول الأخبار المحبطة بالنسبة إلينا نحن شعوب الخليج العربي، وتحديدا في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أي الشعوب التي تتعرض منذ عقود لحملات عدائية سافرة من النظام الإيران. ولم يكن هذا التراجع -ولن يكون في مطلق الأحوال في ظل الواقع العراقي المأساوي- تعبيرا عن موقف مبني على استقلالية القرار العراقي، وإنما هو قرار متوقع نابع - فضلا عن أطماع الظفر بولاية جديدة على رأس ما تبقى من دولة العراق - من ضغوطات حزبية متأثرة بالنفوذ الإيراني ومؤثرة في القرار الحكومي العراقي، ذلك أن أغلب الأحزاب السياسية الدينية هناك وأكثرها تأثيرا في الحياة السياسية العراقية- وحزب الدعوة الذي ينتمي إليه العبادي أحد هذه الأحزاب وأكبرها- تقع تحت التأثير المباشر لعلي خامنئي مرشد «ثورة» إسلامية تروتسكية الصفة لا نهاية لها، ووكيله قاسم سليماني الذي يصول ويجول في أرض السواد عادا إياها جزءا من الامبراطورية الفارسية المتوهمة. قصارى القول انه لن يكون مستغربا في قادم الأيام أن يلتف على العقوبات الأمريكية من سيأتي رئيسا للوزراء في العراق، سواء حيدر العبادي أم غيره من المنتمين إلى الأحزاب الموالية لإيران.
 كثيرة هي الأخبار والمعلومات التي تردنا من داخل العراق المنكوب بطبقة حاكمة فاسدة سرقت كل مقدرات العراق، ولكن يبقى أبلغ ما يصلنا والأكثر تأثيرا فينا والأشد ضغطا على مشاعرنا هو ما يتصل بأفعال الإيرانيين والميليشيات العراقية المسيرة بفرمانات واجبة النفاذ من «المرشد» علي خامنئي أو وكيله شبه المقيم في هذا البلد العربي. فمن ضمن الكثير الذي يصلنا على ألسنة العراقيين أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال الأشخاص الذين نلتقيهم في مهاجرهم، أحاديث مبكية عن أعمال مزرية يرتكبها الإيرانيون بتعليمات مباشرة من مرشد «الثورة» الإيرانية علي خامنئي، وبواسطة عراقيين خدرهم التأثير المذهبي الحاد الذي تمارسه الأحزاب السياسية الدينية، فباتوا آلات قتل وتدمير صماء تأتي على الأخضر قبل اليابس لتحول ميراث العراق العظيم إلى حطام، ولعل من سخريات القدر أن هذه القوى المسلوبة إراداتها هي التي باتت تقود الدولة العراقية، هذا إذا ما جاز لنا أن نتحدث حقا اليوم عن دولة بالمقاييس التي استقرت عليها في الفكر الحديث.
 فعلي خامنئي، والذي تعود أسباب مشاكل العراق في جلها إليه هو «الحاكم الفعلي للعراق» بحسب وصف أطلقه عليه العروبي الهوى والهوية رجل الدين العراقي إياد جمال الدين وغيره من الوطنيين العراقيين الذين لم يكفوا لحظة واحدة عن فضح الفاسدين العراقيين الخاضعين مباشرة للنفوذ الإيراني وعن التحذير من سلوك سياسي طائفي فتت العراق الجريح، وأتاح الفرصة لكل أشكال التطرف أن تكتسب شيئا من المشروعية الشعبية التي نعلم جميعا أنها قد مكنت في يوم من الأيام لداعش وغيرها من التعبيرات المتطرفة التي استغلت ميلا شعبيا ساذجا إلى كل توجه مضاد لأشكال التمييز الطائفي المفروضة إيرانيا ضد مكونات الشعب العراقي. يقول إياد جمال الدين مخاطبا المواطنين العراقيين الذين لا يتوقفون عن التظاهر والاحتجاج على السياسة الداخلية لأسباب كثيرة منها الفساد، البطالة، انعدام الخدمات، الطائفية، التبعية والارتهان إلى إيران.. وغيرها الكثير من الأسباب، يقول: «ركزوا شعاراتكم وغضبكم ضد خامنئي، لا يمينا ولا شمالا.. خامنئي فقط..»، وهو في ذلك محق، لأنه هو المسؤول الأول عن كل المعاناة التي يتلوى بسببها شعب العراق ويذرف الدموع.
 ما الذي يمكننا استنتاجه مما يقوله رجل الدين إياد جمال الدين؟ الاستنتاج الذي لا يختلف عليه هو أن تبقى القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عراقية غير مرتبطة بمصالح الأحزاب السياسية الدينية القابعة تحت التأثير الإيراني. ولكي تبقى هذه القرارات عراقية ينبغي تحرير العراق من النفوذ الإيراني، وأن يتخلص العراقيون من هيمنة الأحزاب الدينية على الحكم، ومن فكرة ولاية الفقيه، وهي الفكرة التي تؤمن بها أكثر الأحزاب الدينية الشيعية في العراق وأكبرها، ويفرضها رجال الدين عنوة على المجتمع العراقي المتعدد. إنه لمن المعيب أن يسير شعب عظيم كشعب العراق وفق مشيئة أحزاب لعبت دورا مشبوها في وصول البلاد إلى هذا المستوى من الانحطاط السياسي. ومن العار أيضا أن يسمح لملالي إيران بالتلاعب بمصير الشعب العراقي الذي حارب نظام الملالي ثماني سنوات وكسر خشومهم.
 العراقي اليوم منتهكة حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مسلوبة حقوقه السياسية، ومشلولة إرادته! والمنتهكون طبقة سياسية حاكمة متمثلة في الأحزاب الدينية شيعية وسنية ووغيرها، اختلفت مشاربهم في ظاهر الأمر واتفقت على تقاسم الكعكة العراقية وعلى إلهاء البسطاء من الناس بصراعات وخصومات مستوردة من عهود السقيفة. لقد أجبر العراق اليوم على فتح تاريخ حكامه كلهم ليقارنهم بحكامه الحاليين فإذا به لا يجد لحكامه الحاليين شبيها في سرقة المال العام، وفي الازدراء بحقوق المواطنة العراقية، لا يجد شبيها لهم في الحسرة التي أورثوها العراقيين، الحسرة على ما صارت إليه الأوضاع التي ضحى العراقيون من أجل تحسينها فإذا بها تتردى أكثر فأكثر. لا شيء يجمع عليه العراقيون الآن أكثر من تفسيرهم لتردي الأوضاع في بلاد الرافدين، فجل العراقيين- باستثناء اللصوص ودمى قاسم سليماني- يقولون بأعلى الصوت إن تردي الأوضاع الحالية لا نظير له في تاريخ العراق الحديث، وأن الحل لا يمكن أن يكون إلا في دولة مدنية بعيدة عن تأثيرات الشيطان الإيراني وأذنابه الملطخة أياديهم بالدم العراقي والمال العراقي المنهوب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا