النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

شركاء الثقافة

استدامة العمل الثقافي لتبقى البحرين جزءًا من العالم الحي

رابط مختصر
العدد 10720 الأربعاء 15 أغسطس 2018 الموافق 4 ذو الحجة 1439

في هذا الزمن الشحيح، هل بإمكان الثقافة ان تتكئ فقط على دعم الدولة لوحدها؟
بالتأكيد، أن الجواب هو بالنفي طبعاً، لأن أي انجاز ثقافي - كما تقول الشيخة مي الخليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والاثار- هو جزء من الأحلام التي تتجسد على أرض الواقع بفضل الجهد والصبر والدعم اللامحدود من قيادة الوطن ومن الخيرين من عشاق خدمة هذا الوطن والرفع من شأنه ثقافياً وحضارياً، من شركاء الثقافة.
إن مفهوم شركاء الثقافة الذي نجحت الشيخة مي الخليفة في بلورته منذ سنوات وتكريسه عمليا على أرض الواقع، في سبيل انجاز العديد من المشروعات الثقافية الهامة والحيوية، يؤشر إلى الانتقال بالثقافة من (مسؤولية دولة فقط) إلى مسؤولية (دولة ومجتمع معاً). وهذا مفهوم موجود في عمق ثقافتنا وتاريخنا الثقافي، حيث يتضافر الجهد الرسمي مع الجهد الأهلي، ليس في الثقافة فحسب، بل وفي التعليم أيضا. وهذا الامر يرتبط في ثقافتنا وتقاليدنا الثقافية العربية بمفهوم (الرعاية) وبمفهوم (الوقف) وبمفهوم (الدعم المباشر وغير المباشر) لهذا المجال او ذاك. ولكن يبقى السؤال هو: كيف يتحقق النجاح في بناء هذه الشراكة الضرورية التي لا مناص منها لمواجهة شح الموارد ولجعل الثقافة عملا تشاركيا؟
الجواب يرتبط بمدى وكيفية اقناع مختلف الأطراف بأهمية وحيوية الثقافة وأهمية المشروعات الثقافية في دعم الصورة الحضارية للبحرين ودعم التنمية الاقتصادية فيها في النهاية.
وقد أمكن بفضل مساندة القطاع الخاص الأهلي في البحرين والداعمين من خارجها، تنفيذ العديد من المشروعات في وقت قياسي نسبيا بفضل الجهد الاستثنائي الذي بذلته الشيخة مي، ومصداقيتها أمام هؤلاء الشركاء. فقد تمكنت من إشراك القطاع الخاص وحتى مؤسسات الدولة في دعم الشأن الثقافي الأهلي الذي يرفد الجهد الرسمي، وبنفس الدرجة من الحماس على تنميته وتطويره. وقد شجعت هذه الاستجابة لدعم الانشطة والمشروعات الثقافية الرسمية والأهلية في ذات الوقت على التفكير في انجاز عمل توعوي قاعدي متكامل من خلال توعية الاجيال الجديدة بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي والمعماري والحضاري الوطني، والاعتزاز به باعتباره جزءاً لا يتجزأ من تربية المواطنة وتنمية حب الوطن والاعتزاز بالانتماء اليه.
صحيح أن ندرة الموارد ومحدودية الإمكانيات التي تستجيب للطموحات والتطلعات والبرامج تصعب من دور الأجهزة المسؤولة على الثقافة وترفع من سقف التحديات، ولكن المشكلة أيضا هي في كيفية الاستفادة مما هو متاح بطريقة تحقق التوازن بين الطموح والممكن، وكيفية ترتيب الأولويات والتصرف الجيد في هذه الإمكانيات. وأعتقد هنا أن الهيئة المسؤولة على الثقافة قد نجحت إلى حد كبير في السيطرة على هذا الأمر، وتحقيق الاستفادة القصوى من الإمكانيات المتاحة، إذ أمكنها وبشكل ملحوظ إعادة ترتيب الأولويات وحسن التصرف في الامكانيات من تغطية العديد من الفعاليات والمهرجانات والإبداعات بشكل مناسب، من خلال الجمع بين التحكم في الموارد وبين تطوير العمل وتجويده على نحو فعال، وهذا في حد ذاته انجاز مهم للثقافة في البحرين. فقد أمكن مثلاً خفض كلفة العديد من الفعاليات الثقافية بشكل ملموس مع الحرص على تجويدها في نفس الوقت. وانجاز العديد من الفعاليات بنفس الموارد الموجودة، وذلك وجود خطة محكمة في التخطيط والتصرف.
 كما أن القطاع الخاص الأهلي قد كان سخياً في المساهمة في هذا المجال، خصوصاً في ضوء نجاح قطاع الثقافة في تقديم مشروعات وبرامج مقنعة من حيث بنيتها وأهدافها وأهميتها وتأثيرها في الحياة العامة وفي التنمية. فعندما تكون المشروعات مقنعة، وتخدم التوجه الحضاري للبلد وتنميته فإن المؤسسات والبنوك وحتى بعض الأفراد المقتدرين لا يتأخرون أبداً في تقديم الدعم. فقد ساهموا بشكل ملموس في دعم بعض الأنشطة والفعاليات الثقافية، مما أعطي إمكانيات أوسع للتحرك لإنجاز المزيد من المكتسبات القافية والابداعية.
إن الثقافة جديرة بالدعم، لأن ليس لها دور تزييني في الحياة الوطنية مثلما يعتقد البعض، بل لها دور تنموي وسياحي ولها مردود اقتصادي أكيد، هذا إضافة إلى دورها الأساسي في بناء العقل وتغذية الروح والتنوير ونشر العقلانية وقيم السلام والتعايش والتنوع والقبول بالآخر. وباختصار فإن المال مهم، ولكنه ليس أهم من الإرادة والصبر والإبداع، وحسن التخطيط.
ولا شك، أن مستقبل الثقافة في البحرين ضمن هذا الأفق سيكون أفضل بكل تأكيد، ما دامت هنالك ثقة وقناعة بأن رصيد البحرين الأساسي هو الإنسان والثقافة والإبداع، خصوصاً أن البحرين لديها ما تقدمه للعالم على هذا الصعيد تحديداً. إنها حضارة عريقة ممتدة لآلاف السنين، إنها ليست مجرد ميناء للتجارة وتصدير النفط، إنها روح وهوية وإبداع. والثقافة فعل حياة نتنفس من خلاله حب هذا البلد، والايمان بما يمتلكه من قدرات وطاقات جميع أبنائه الذي ساهموا ويساهمون في بنائه بكل شغف وحب.
وكلمة حق لابد من قولها في هذا السياق إن الشيخة مي تحديداً قد حاولت قدر الإمكان التخطيط للعديد من المشروعات الطموحة ونفذت عدداً مميزاً منها، وأنجزت مع المخلصين للثقافة العديد من الجوانب التي نفخر بها اليوم.
لقد تركت كل شيء من أجل ذلك، لأنها تعمل من أجل الناس ومن أجل البلد، وتبحث عن كل ما يفيد الثقافة والتراث وصورة البحرين في الداخل والخارج. وكل همها هو كيفية ضمان الاستدامة في العمل الثقافي وديموميته حتى لا يكون عملا موسميا طارئا، فكل هذه الجهود وهذه الإنجازات لا بد أن تستمر، لكي تستمر البحرين في التاريخ الفاعل، جزءاً لا يتجزأ من الحضارة الإنسانية المنتجة والمبدعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا