النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10759 الأحد 23 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الموسيقار مبارك نجم امتداد كلاسيكي أصيل

رابط مختصر
العدد 10719 الثلاثاء 14 أغسطس 2018 الموافق 3 ذو الحجة 1439

أهداني الصديق العزيز أبو علي (محمود عبدالعزيز) أسطوانة سي. دي. محملة بعدد من الأعمال الموسيقية للموسيقار البحريني مبارك نجم، ولم تأتني منه هذه الهدية إلا لأنه يعلم أني من عشاق الموسيقى الغربية الكلاسيكية، من أمثال موسيقى بيتهوفن وموزارت وفاغنر وشوبان وتشايكوفسكي وغيرهم. وقال بأني سأجد في موسيقى مبارك نجم ما يبهرني، وهذا دليل على حسن تقييمه لموسيقى مبارك نجم مقارنة بالموسيقى الكلاسيكية وبموازاة هذه القمة في عالم الفن الموسيقى. فعلاً انبهرت، لأَنِّي لم أكن أتوقع أن أشهد فيما تبقى من حياتي نبوغاً بحرينياً في التأليف الموسيقي يرقى إلى المستوى الكلاسيكي العالمي.
إن الكلاسيكية هي صفة تعبر عن عصر. يمتد من 1750م الى 1820م. وهو امتداد لعصر سابق هو «عصر الباروك»، وجاء العصر الرومانسي بعد الكلاسيكي، ومن ثم توقفت تسمية الموسيقى بالعصور، إذ أن الواردين إلى هذا العالم الموسيقي الراقي قد جاءوا من أطراف أوروبا الغربية، حيث منبع هذه الموسيقى، وتنوعت أنماط هذه الموسيقى واتخذت فروعاً مدرسية ووطنية، ولكن الصفة التي أُسبغت عليها كلها هي «الكلاسيكية»، ونحن في هذا المقال نلتزم بهذه الصفة التي أصبحت شائعة ومتعارف عليها. إن الدخول في هذا العالم من الفن الموسيقي ليس نزهة ترويحية ولا مطلباً طربياً، هذا العالم يتخطى سقف الطرب ودندنة الوتر إلى الالتزام بالعمل الجاد والصبر والمثابرة والدراسة المركزة لعلم الصوتيات والتوسع في معرفة الآلات الموسيقية وخصائص كل آلة، ودراسة الانماط والتشكيلات البنيوية المختلفة والمتعددة للموسيقى ـ المنتج الذي يخرج من جوقة الاوركسترا. رغم وسع الفضاء الذي تعيش فيه هذه الموسيقى، إلاّ أن باب الدخول اليه ضيق لا يسع لكل من هب ودب، ومن أراد الدخول عبر هذا الباب لا بد له ان يمتلك قدرة ذهنية مميزة وجرأة نفسية واثقة. هناك قلة من الموهوبين والمبدعين والجادين الذين بامكانهم الدخول من هذا الباب. باب دخله بيتهوفن وموزات وشوفان وتشيكوفسكي، وهم عباقرة بالفطرة وجادين بالمثابرة على هضم العلوم الموسيقية ومبدعين في العطاء، هذا العطاء الموسيقي الذي مازال منذ آكثر من قرنين يبهر العالم. هذا هو العالم الذي استطاع أن يدخل من بابه موسيقارنا الدكتور مبارك نجم. لقد حاول كثيرون من العالم المتقدم وغير المتقدم أن يدخلوا هذا الباب، ولكن دون جدوى، ومعظم الاعمال الكلاسيكية التي أنتجها بعض الموسيقيين في عالمنا العربي لم تخرج عن إطار التقليد، تقليد دون هوية، وأداء ركيك لا يرقى الى ما أنتجته وتنتجه جوقات الأوركسترا في أوروبا وفي روسيا وفي اليابان والصين وكوريا. من الواضح جداً ان الموسيقار مبارك نجم، بعد ان توسع في علوم الموسيقي وهضم الانتاج الموسيقي الكلاسيكي بامتياز، أدرك الخطيئة التي وقع فيها كل أؤلئك الذين حاولوا انتاج موسيقي كلاسيكية وفشلوا في تخطي التقليد وبالتالي فشلوا في دخول الباب المؤدي الى عالم الموسيقى الكلاسيكية. إن أي مستمع، من الذين تمرسوا على سماع الموسيقي الكلاسيكية، ينبهر بهذا الجديد القادم من البحرين، ليفتح صفحة جديدة في عالم الموسيقى الكلاسيكية، ويدرك بإيمان لا يشوبه أدنى شك ان الدكتور مبارك نجم مؤلف موسيقي قدير، يمتلك كامل المعرفة العلمية والمهارات الفنية وبحذق المحترف في إنتاج اعمال موسيقية كلاسيكية.
لو ان مبارك نجم كان قد اكتفى فقط بهذه القدرات والعلوم والمهارات في الانتاج الموسيقي الكلاسيكي لما كان بمقدوره ان يتخطى التقليد رغم جمال وحرفية الانتاج الموسيقي الكلاسيكي الذي هو ضمن قدراته. لقد أدرك العلاقة التاريخية بين العصر الكلاسيكي وما امتد بعده الى تشعبات المدارس الموسيقية والهويات الوطنية، فرأى انه لابد من إعطاء موسيقاه نكهة وطنية، وهذه النكهة الوطنية بحد ذاتها تفتح باباً الى تشكيل مدرسة موسيقية خاصة به، هذا الجزء المركب من عنصري المدرسية والوطنية هو المحور الأساس في تخطي التقليد، وإعطاء الموسيقى هوية وطنية، مثلما فعل بورودين الروسي وسميتانا التشيكي وڤاغنر الألماني وآخرون. من اجل إعطاء موسيقاه الهوية الوطنية اعتمد على التراث الطربي الشعبي والأغاني الوطنية الحديثة، فأخذ المواد الموسيقية الخام من موسيقى أغاني محمد زويد وأحمد الجميري ومحمد علي عبدالله وخالد الشيخ وابراهيم حبيب، وهذا نهج في التأليف الموسيقى اعتمده ويعتمده كبار الموسيقيين الكلاسيكيين، فمثلاً بيتهوڤن التقط بعضاً من موسيقى أهل الريف في ألمانيا لسيمفونيته السادسة المعروفة بالريفي أو القروى، وڤيڤالدي الذي ينتمي الى عصر الباروك والذي طور موسيقى الكونشرت أخذ كذلك من الموسيقى الشعبية، فالموسيقار مبارك نجم كان صاحب مشروع موسيقي ـ وطني كلاسيكي، وقد أعطى هذا المشروع حقه من التفكر والدراسة المعمقة، والدليل على جدوى المشروع هو إنتاجه الموسيقي الكلاسيكي بامتياز ذات النفس الوطني المحسوس بكل وضوح.
المواد الخام من التراث ومن الأغاني الوطنية التي ادرجها في موسيقاه جعل منها النغمة الاساسية ـ thème ـ وأخذ يشكل هذه النغمة صعوداً ونزولاً، قوةً ونعومةً، وبتفاوتات في مكون كل نغمة، وهذا هو النهج الذي يعتمده كبار الموسيقيين، فمثلاً السيمفونية الخامسة لبيتهوڤن في الحركة الأولي تنطلق بنغمة من أربعة أصوات أو أربعة حروف موسيقية هي «ت َـ تَ ـ تَ ـ تا»، الثلاثة أحرف الأولى من سلم واحد والحرف الرابع وهو الأطول زمنياً على سلمين أدنى، وهذا هو النغم الأساس في الحركة الأولى، ويشكلها بيتهوڤن تشكيلات متعددة رائعة، وهكذا فعل مبارك نجم في تأليفه الموسيقي، وهذا الأسلوب الشبيه بأسلوب بيتهوڤن واضح جداً في التأليف الموسيقي الذي مطلعه صوت محمد زويد وهو يغني «كوكو»، وهذه الإطلالة بصوت المغني الأصلي والذي أدرجه في الموسيقى هي جرأة فنية رائعة أضفت على الموسيقى قيمة فنية تستحق الإعجاب والتقدير، رغم انه اعتمد هذا النهج في جميع موسيقاه، إلاّ ان نغمة كوكو لها وقع خاص على السمع البحريني والخليجي. جدير بالذكر ان فرقة اوركسترا روسية أخذت نغمة كوكو وشكلها المؤلف تشكيلاً كلاسيكياً، وكذلك اعتمدت هذه النغمة في أغنية فرنسية، إلاّ ان الذي أنتجه الموسيقار مبارك نجم يتميز بجودة فنية أرقٍ.
لقد دخل الموسيقار مبارك نجم عالم الموسيقى الكلاسيكية وتبوب كرسياً بجانب الموسيقيين الكلاسيكيين، وهو في هذه المنزلة أمامه تحديات كبيرة، التحدي الأكبر هو استمرار بقائه في هذا العالم الفني الراقي، وهذا التحدي يستوجب منه الاستمرار في العطاء، وهو أهل لهذا العطاء. تقتضي منه هذه التحديات ان ينتج أعمالاً من النوع السيمفوني والكونشرتات والسوناتا، وهو بتخطي مقتضيات هذه التحديات يُثَبِّتُ ديمومة كرسيه في عالم الموسيقي الكلاسيكية. لقد وضع بنجاح كبير رجليه على الطريق، فَسِرْ وتقدم، فليس للطريق نهاية...
يا نجمَ العَلَمِ (الاسم)، أنت نجمٌ في النغمِ، المعجبون بك كثرٌ في تكاثر، وتوقعاتهم منك اكثر، وهذا هو التحدي الاعظم، ان المعجبين بك وأنا منهم في انتظار سيمفونيتك الأولى التي ستخلدك وترفع شأن وطنك بين الامم، عناوين كثيرة، مثل «آه يا مال» و«عذاري» و«الدانة» و«النخيل»، لها وقع وطني خاص مؤهلة ان تتسمي بها السيمفونيات المرتقبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا