النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10785 الجمعة 19 أكتوبر 2018 الموافق 10 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40AM
  • المغرب
    5:06AM
  • العشاء
    6:36AM

كتاب الايام

ثقافة الباص الخشبي

رابط مختصر
العدد 10713 الأربعاء 8 أغسطس 2018 الموافق 26 ذو القعدة 1439

قد تكون هناك ثقافة في كثير من البلدان للقطارات أو الميكروباصات أو الأندركراوند أو مترو الأنفاق أو المونوريل، لكننا في بلادنا مملكة البحرين عرفنا ثقافة الباص الخشبي.. كان هذا الباص الذي يكون الجزء الأكبر منه من صنع أبناء البحرين يطوف مدن وقرى البحرين لتوصيل الناس إلى أعمالهم وأسواقهم وأهلهم وأقربائهم وأصدقائهم والأولاد والبنات إلى مدارسهم الإعدادية والثانوية، وأحياناً إلى مناطق التنزه، أو ما يعرف بالبحرين «بالكشتة». وأحياناً إلى مناطق ومزارات «النذور»،
وكان هذا الباص بتشكيلته حيث يكون على شكل صفين متقابلين مما يتيح الفرصة للوجوه أن تتلاقى، ويتم التعاون وتبادل الكلام فيما بينهم، خصوصاً في المشاوير المألوفة والمعتادة يومياً كشارع البديع والقرى المحيطة به من الجانبين، وطريق المنامة المحرق، ومن المحرق إلى الحد مروراً بالبستين والدير وسماهيج وقلالي وخط سير الرفاع والقرى الجنوبية وخط سترة والقرى المحيطة بها مروراً بجزيرة النبيه صالح، وخط الجسرة مروراً بالجنبية.
إنها مشاوير يومية يقوم بها سائقون مهرة من أبناء البلاد الذين عرفوا بإخلاصهم لمهنتهم، والتزامهم بقواعد المرور، والسرعات المقررة، وصبرهم طبعاً على ظروف العمل في هذه الباصات صيفاً وشتاء، يساعدهم فرد تكون مهمته استيفاء الأجرة من الركاب، ويطلق عليه «كلندر» وفي الغالب يكون خفيف الظل.. ولا تستغرب أن يدفع عنك أحد الركاب ممن يعرفونك الأجرة فهم يعتبرون ذلك عربوناً للصداقة والمعرفة وعليك أنت أيضاً ان تستعد يوماً لترد على هذه المجاملة في مشوار آخر؛ فتبادل دفع الأجرة من الأمور المستحبة بين الركاب، وقد تصادف مثل هذا التصرف في المقاهي، خصوصاً من أولئك الأصحاب الذين يسبقونك في الجلوس للمقهى فمن شيم المقاهي أن يدفع من هو سابق في الجلوس، برضى وطيب خاطر، فهو سلوك اجتماعي، وأخلاقي تعارف عليه أهل البحرين.
كان سائقو الباصات الخشبية تجمع بينهم الصداقة والزمالة، ولا تستغرب أنه عندما يمرض أحد منهم أن يقوم زميله بالحرص على الالتزام بتوصيل الركاب الذين اعتادوا القيام بزياراتهم معه، ويحدث ذلك أيضاً عندما يتعطل الباص الذي اعتدنا أن نذهب معه إلى المدرسة الغربية الإعدادية بالمنامة من البديع أو إلى المدرسة الثانوية بالمنامة حتى العام 1968م، ويتم الترتيب بينهم أو من خلال إدارة المواصلات بإدارة التربية والتعليم التي كانت تشرف عليها المربية الفاضلة أمينة عبدالرزاق وكان سواق المدارس خصوصاً من الحريصين على نقل طلبة القرى مبكراً لوصولهم إلى المدارس قبل أن يقرع الجرس وتصطف طوابير الصباح، وكان هذا عملاً شاقاً، خصوصاً في الشتاء وبالذات عندما تدلهم الغيوم وتهطل الأمطار، أو عندما يكون الضباب كثيفاً خصوصاً في تلك القرى الزراعية حيث تكون الرؤية متعذرة لكثافة الضباب وكان بعض هؤلاء السواق نظرهم يشكو من قصر النظر فيتطوع أحد الطلبة بمسح الزجاج الأمامي للباص أثناء السير في الضباب الكثيف.
رحلة الباص الخشبي اليومية للركاب تمثل تعارفاً يومياً لأبناء البلاد يتبادلون فيما بينهم الأحاديث وشئون الحياة وما يطرأ على مجتمعهم من مناسبات وأحداث، وإذا وجد من بينهم من هو خفيف الظل فإن الرحلة بطبيعة الحال تكون خفيفة بما يطلقه من نكات ومواقف ظريفة وتعليقات شفافة، كانوا يعرفون كل واحد أين يقف وما هي القرية التي سينزل عندها، وكذلك كان السائق يعرف المحطات التي يقف عندها، ويعرف الركاب فرداً فرداً، وإذا ركب معه غريب يسأل أي محطة يريد النزول عندها فيحفظ ذلك عن ظهر الغيب.
من النادر أن تسمع صوت المرأة مرتفعاً فالهمس عادة يكون بين النساء راكبي الباص فيتحدثن في شؤونهن بصوت لا يكاد يبين فقط تسمع صوت الواحدة منهن عندما تقول للسائق «استاب» هكذا تنطقها وأصلها بالإنجليزية Stop.
وتروي لذلك طرفة إذا يحكى أن المُربيِ الفاضل الأستاذ/‏ أمين الحافظ من أبناء مصر الشقيقة جاء إلى البحرين في الخمسينيات مفتشاً عاماً ومدرساً للغة الإنجليزية وكان معروفاً بعلمه وصرامته ودقته وحرصه على تقاليد موروثة من أيام الباشوات، وكان يوماً راكباً في الباص الخشبي، وإذا إحدى السيدات المتقدمات بالسن، تقول بصوت مسموع لسائق الباص «استاب» فسمع صوتها المربي الفاضل المرحوم «أمين الحافظ» فقال بلهجته المصرية: «الله دول عجائزهم بتتكلم إنجليزي أمال جايبيني أنا هنا ليه؟!» رحم الله المربي الفاضل أمين الحافظ ورحم الله المرأة المسنة التي دخلت التاريخ الظريف في بلادنا...
تقاليد الباصات الخشبية خلقت في البحرين سلوكيات مكتسبة من بينها أن لا يزيد الباص عن حمولته من الركاب، وأن ما يحمل من أغراض لا يشغل حيزاً كبيراً وتكون الحمولة في السعة المسموح بها والالتزام بمواعيد الرحلة ذهاباً وإياباً والأجرة في مقدور الناس جميعاً...
وإذا كان في الأسفار كما يقال سبع فوائد فإن من فوائد السفر بالباص الخشبي اللحمة الوطنية والتعارف المجتمعي وتبادل المصالح والمنافع لخير الجميع وإذابة الفوارق الطبقية والإحساس بالآخر.
وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا