النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الهوة بين الناخب والنائب لابد من ردمها

رابط مختصر
العدد 10712 الثلاثاء 7 أغسطس 2018 الموافق 24 ذو القعدة 1439

مساء الاثنين الموافق 30 يوليو 2018 حضرت ندوة، للاستماع إلى نواب في البرلمان ونواب في البلدي.
 من الجانب النيابي حضر اثنان واثنان من الجانب البلدي. الحضور كان جيداً، ولكن الشريحة العُمْرِيةَ غلب عليها من هم في الخمسين وأكبر. وهذا الحضور، بحد ذاته يكشف عن هوة بين الشباب والشأن الوطني عامة والتجربة الديمقراطية خاصة. كان في ذهني، قبل الاستماع إلى النواب من الطرفين، أننا بصدد الاستماع إلى تقرير للإنجازات التي حققها النواب، وتلك التي لم يوفقوا في إنجازها حسب البرامج الانتخابية التي كانوا قد عرضوها على الناخبين أثناء الحملات الانتخابية، وقبل النجاح والتربع على كراسي البرلمان والبلدي.
النشاط البرلماني والبلدي، شأنه شأن أي نشاط عام وخاص آخر، كان النشاط إنتاجياً او خدماتياً، عاماً أو خاصاً. والنشاط هو نتاج مشروع والمشروع لا بد له من خارطة عمل هو البرنامج. النشاط البرلماني والبلدي يسبقه برنامج يقتضي تحقيقه، ومن خلال العمل النشط الجاد، وهو النشاط، تأتي النتيجة، والنتيجة بحساباتها، حساب النجاح وشبه النجاح او الخسارة التامة. كنت أتوقع من الجانبين، النيابي والبلدي، تقديم تقرير يتضمن جميع نقاط البرنامج الذي قدموه أثناء الحملة الانتخابية، والإنجازات التي تحققت، بمعنى أدق وأوضح، مالذي تحقق من البرنامج وما الذي لم يتحقق، وشرح الأسباب الموضوعية التي حالت دون تحقيق كامل البرنامج. لم ينعم الحضور بهذا التقرير والذي هو المُخْرَجُ الأساسي والملح للندوة، أي النتاج الموضوعي والطبيعي لأربع سنوات من العمل البرلماني والبلدي من أجل تحقيق مطالب وطنية خطتها برامج النواب عندما كانوا مرشحين. بهذا المعنى، فإن الندوة لم تحقق الجانب الإنتاجي لأنشطة النيابي والبلدي، ولكن هذا لا يعني أن الندوة لم تحقق شيئاً يَصُبُّ في خدمة الشأن الوطني، وخاصة جانب الوعي في هذا الشأن. إن الندوة كشفت عن عدد من السلبيات من الجانب النيابي والبلدي، فالأربعة النواب على المنصة لم يتطرقوا لبرامجهم الانتخابية بالمطلق، وهذا يعني أن البرنامج الذي عرضه كل منهم على الناخب لم يكن سوى وسيلة للوصول إلى كرسي النيابي والبلدي، ولم يكن في واردهم العمل الجدي على تحقيقه، وهذه سلبية كارثية تتدحرج إلى هاوية الخيانة، خيانة المترشح للناخب، وخيانة النائب لوطنه، وأكدت الندوة على وجود مساحة سوداء (فجوة وهوة) تفصل النائب عن الناخب، وأن هذه المساحة السوداء هي من فعل النائب ذاته، هذا النائب الذي كان قد فتح صدره ومد ذراعيه لاحتضان الناخب عندما كان مترشحاً، والذي أغلق باب بيته وخطوط هواتفه، الذكية منها والغبية، عندما جلس على كرسي النيابي والبلدي، ولسان حاله يقول الوداع للناخب، بينما الناخب يتحسر ندماً على هذه الثقة التي أولاها لمن لا يقدر الثقة، وما هو بأهل ولا مقتدر للعمل على تحقيق ما وعد به للناخب، هذه المساحة السوداء بين الناخب والنائب هي ساحة الحرب الباردة («الحرب الباردة» تعبير من إرهاصات فكر الصديق الشاعر أحمد العباسي)... هذه الحرب الباردة هي ذروة عدم الثقة بين الناخب والنائب. هذه السلبيات كشف عنها السادة النواب أنفسهم، فقد كانوا لا يتحملون أي نقد من الحضور، وكان خطابهم تبريرياً بامتياز ودفاعاً عن النفس دون داعٍ و لا مبرر، وكانوا حساسين بدرجة مفرطة، كانت الأسئلة تحرجهم وكانت الآراء تربكهم، وبعض من الحوار كان أشبه بجدال عقيم. الوعي في الشأن الوطني كان مشتركاً بين الحضور والنواب، وجدية طرح القضايا الوطنية كانت أوضح من جانب الحضور، بينما الجانب النيابي كان أسير الدفاع عن النفس والتبريرات وبعض من الشكوى والتذمر مما أثر سلباً في جديتهم وتركيزهم على القضايا التي تهم الناخب خاصة والوطن عامة.
وهكذا فقد كان اللقاء في واقعه مواجهة بين الطرفين على المساحة السوداء. كان خطاب النواب الأربعة لا يخرج عن إطار «عملنا وسهرنا وتعبنا وقلنا واقترحنا» ولكن لم يذكروا أبداً ماذا «حققنا». أي أنهم لم يكونوا سوى قعقعة وجعجعة دون نتيجة، والنواب يتوقعون من الناخبين تمجيدهم لأهم جلسوا على كراسي النيابي والبلدي وقالوا وقالوا وقالوا، وكأن النشاط البرلماني ليس سوى حضور جلسات والخوض في متاهات القيل والقال، ومع الأسف الكارثي فقد كشف لنا النواب الأربعة أن فهمهم للديمقراطية (النشاط البرلماني والبلدي) لا يخرج عن إطار الوقوف في المجلس وإلقاء كلمة (ببلاغة ركيكة) ومن ثم يمسح العرق الناشف عن جبينه ويعود إلى كرسيه، ويقول في ذات نفسه: «الحمد لله، قلنا كلمتنا، وأدينا الواجب الوطني الديمقراطي»...
من المخرجات التي كشفت عنها الندوة هي العلاقة بين النواب والصحافة، فحسب ما تفوه به أحد النواب هو أن الصحافة ليست أمينة في نقل كلمات النواب في المجلس، وكيف أن الصحافة وكأنها في حرب مع بعض النواب لأنها تهملهم و لا تنقل أي شيء عنهم، وهذه تهمة كبيرة تتجه سهامها إلى صدور الصحافة.
بالإضافة إلى هذه الكشوفات والمخرجات السلبية خرج علينا أحد النواب البرلمانيين بمقولة، هي أقرب إلى نظرية جديدة مبتكرة، عندما قال بملئ لسانه: «إن المجلس البلدي هو مظلة سياسية»، وكرر هذا القول مؤكداً بقناعة إيمانية لا يشوبها أدنى شك، ولست في وارد التعقيب على هذه النظرية سوى أنها نظرية قد تحمل بعض المعاني الخفية علينا، وإلاّ فإنها لا تعدوا كونها نظرية شاذة.
بالنتيجة فالندوة كشفت المستور والسلبيات العديدة، ولم تقدم التقرير الذي كان من المفترض تقديمه وعرضه على الحضور، ولكن الشعب الحاضر بهذا التمثيل الرمزي الصغير قد خرج بدروس مهمة ومفيدة، وأهم درس هو ما العمل؟ من أجل إزالة المساحة السوداء بين جناحي الديمقراطية، الناخب والنائب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا