النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الهجــرة قــــوة

رابط مختصر
العدد 10695 السبت 21 يوليو 2018 الموافق 8 ذو القعدة 1439

فازت فرنسا بكأس العالم لكرة القدم بفريق أكثر من نصف لاعبيه أفارقة ومسلمون، وقرأت الكثير من التعليقات هنا وهناك التي تطالب الحكومة الفرنسية بمكافأة المسلمين في البلاد وعدم التضييق عليهم بعد هذا الفوز الغالي، إضافة إلى فتح الباب أمام هجرة المزيد من الأفارقة!
قبل ذلك كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرر منح الجنسية الفرنسية لمواطن من مالي أنقذ طفلاً من السقوط من الطابق الرابع في إحدى ضواحي العاصمة باريس، بعد أن منحه ميدالية تقديرا لشجاعته.
ورغم محاولات العديد من الدول الأوروبية للحد من تدفق المهاجرين إليها، إلا أنني أتجول في أوروبا هذه الأيام، لا أرى إنكليزًا أو إيطاليين بقدر ما أرى باكستانيين وصينيين وعربًا وغيرهم. وأنا في الحقيقة لم أعد أعرف من الذي استعمر من؟ هل فرنسا هي التي استعمرت أفريقيا ودولا مثل سوريا ولبنان أم أن الأفارقة والعرب والمسلمين هم الذين استعمروا فرنسا؟!، وهل بريطانيا هي من استعمرت أو احتلت الهند وباكستان أم العكس هو الصحيح؟
نطالب أوروبا بمنح المزيد من الحريات، ونتمنن عليها بأن لاعب كرة قدم مصريًا مثل محمد صلاح جلب المجد لنادي ليفربول وللدوري الإنكليزي ككل، لكن ما الذي استطاع محمد صلاح نفسه أن يقدمه لمنتخب بلاده في كأس العالم؟ أ لم يخسر فريقه المباريات الثلاث التي خاضها؟ ألا يدل ذلك على الدور الحاسم للبنية التحتية أو البيئة التي يلعب أو يعمل فيها الشخص في بلوغ أهدافه؟
نلوم أوروبا إزاء صعود اليمين المتطرف، ونستهجن بعض الممارسات العنصرية التي يرتكبها مواطنون متعصبون، لكننا في ذات الوقت لازلنا نميز في دولنا إلى حد كبير بين ابن المدينة وابن الريف والقرية، وبين المرأة والرجل، والمواطنين الأصليين وغير الأصليين، ولدينا الكثير من الاعتبارات التي نُقيّم الناس بناء عليها مثل العائلة والجاه والسلطة والمال.
إن أكبر دولة في العام اقتصاديا وعسكريا على الأقل، الولايات المتحدة الأمريكية، تشكلت من أمواج من المهاجرين الذين يعتزون الآن بجنسيتهم الأمريكية بصرف النظر عن جذورهم، وإن عمر الولايات المتحدة الأمريكية لا يتجاوز الثلاثمائة عام، بمعنى أنه ليس هناك «أمريكي أصلي» وفقا لاعتباراتنا، فجده السابع أو العاشر سيكون إما فرنسيًا أو إسبانيًا أو مكسيكيًا، أما الأمريكي الأصلي فهو الهندي الأحمر!.
فأين خلقت وأين ولدت ليست ميزة أو مذمة، فهناك من يستطيع الإنسان أن يجد ويحقق نفسه في البلد الذي ولد فيه، وآخرون يحققون ذلك في بلدان أخرى.
المواطنة هي الولاء للوطن والإخلاص له والعمل من أجله، بعيدا عن اية اعتبارات أخرى تتعلق باللون والعرق والأصل والسلالة، ومفهوم الوطن أكثر من مجرد قطعة أرض بحدود جغرافية، إنه شعور بالأمن والمستقبل معا.
أحد عوامل صعود نجم الولايات المتحدة الأمريكية كدولة وريثة للإمبراطوريات الاستعمارية العظمى مثل الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية، هو هجرة الكثير الكثير من الأدمغة الأوروبية إلى هناك، واندماجها سريعا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي البحث العلمي، والمصانع، وغيرها، وما ألبيرت أينشتاين إلا مثال على ذلك.
وإن بناء بيئة مواتية لدمج المهاجرين في التنمية وإطلاق طاقاتهم وإبداعاتهم في الأعمال والفنون والثقافة وفي الرياضة أيضا، فدولة مثل ألمانيا تمكنت من دمج مئات آلاف اللاجئين في سوق العمل بعد أن وفرت بيئة مواتية لهم، لكن بالمقابل لا أعتقد أن أحدا يريد العيش في دولة مثل إيران رغم أنها تدعي تمثيل الشيعة حول العالم.
إن حضور هذا العدد من اللاعبين أبناء المهاجرين في الفريق الفرنسي، إنما يؤشر أيضا على تغييرات ديموغرافية كبيرة تجتاح العالم، ففيما تنمو دول سكانيا بشكل هائل مثل مصر وإندونيسيا وبنغلاديش يتضاءل عدد سكان دول أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا التي تحتاج المزيد من الأدمغة والأيادي، فيما الهرم السكاني فيها يعاني من الشيخوخة، فكبار السن يزداد عددهم نتيجة ارتفاع مستويات الرفاهية والرعاية الصحية، في وقت لا يبدو فيه أن كثيرا من الجيل الشاب يرغب بتحمل مسؤولية الزواج وإنجاب الأطفال وتربيتهم.
ويدرك قادة العالم أن العامل الديموغرافي عنصر حاسم في مستقبل دولهم، وقد سمعنا خامنئي يطلب من الإيرانيات زيادة الإنجاب، وكذلك فعل بوتين في روسيا، أما أردوغان فقد طلب من كل أسرة تركية في أوروبا أن تنجب ثلاثة أطفال على الأقل!.
التحدي أمام المهاجرين مضاعف بعد أن خرجوا من دائرة الراحة في بلادهم وقرروا خوض مغامرة الهجرة، لذلك يصح على كثير منهم قول طارق بن زياد «البحر من خلفكم والعدو من أمامكم»، بمعنى أن لا خيار أمامهم سوى التميز والنجاح، لذلك غالبا ما يعملون ليل نهار لإثبات أنفسهم وغرس جذورهم في المكان الجديد، وهم بلا شك يقدمون قيمة مضافة كبرى من خلال ذلك العمل لبلدهم الجديد.
في مطلع القرن الماضي كانت الهجرات من بلاد الشام إلى أمريكا في أوجها، وبرز شعراء لبنانيون في المهجر على مستوى عالمي مثل جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من قصص النجاح الكبرى لمهاجرين آخرين في مجال الأعمال والطب والاتصالات وغيرها.
كما أن وجود المهاجرين في بلد من البلدان يمنح السكان الأصليين فرصة التعرف على ثقافات أخرى، ويمثل إضافة كبيرة لحضارة البلد المضيف، ولننظر إلى البحرين كجزيرة استقبلت خلال تاريخها أعراقًا شتى، ولننظر إلى سوق المنامة القديم حيث المعبد والكنيس والكنيسة والجامع والمسجد، وكل ذلك انعكس على شخصية الإنسان البحريني المنفتح والمثقف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا