النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10842 السبت 15 ديسمبر 2018 الموافق 8 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

شيء من الحنين إلى روسيا

رابط مختصر
العدد 10694 الجمعة 20 يوليو 2018 الموافق 7 ذو القعدة 1439

 لم تكن زيارة روسيا ضمن خططي الشخصية لا لحضور المونديال ولا خلاله ولا بعده، فقد كانت آخر زيارة لي إلى الأراضي الروسية في عام 2004، أي قبل أربعة عشر عاما، رغم أن أصدقاء عزيزين طرحوا علي فكرة السفر أكثر من مرة، واصطنعت أعذارا غير واقعية وغير حقيقية هربا من أن يجرفني الحنين للموافقة على فكرة السفر في وقت رأيته غير مناسب. وعموما موسكو ليست بالمدينة الغريبة عني، فقد قصدتها قبل أربعة وأربعين عاما وأمضيت فيها ست سنوات طالبا في جامعة الصداقة بين الشعوب – الجامعة الروسية لصداقة الشعوب حاليا-، وقد كانت هذه السنوات من أمتع وأحلى وأنفع سنوات حياتي.
 لا أخفيكم أمرا بأن دفق الحنين والرغبة الجامحة إلى معايشة أيامي الروسية وإطلاق العنان لرجلي لكي تحملني إلى الأماكن والحارات التي ألفتها تأسرني بين الحين والآخر، عفويا مرة وبدافع مباشر مرات، وآخر هذه المرات المونديال الروسي. والعجيب في حالتي أن هذا الشعور انتابني بعد انتهاء عرس المونديال الكروي وذهاب الكأس، ملوحا إلى الجميع، إلى عاصمة الأنوار للمرة الثانية، وليس في أثناء مباريات المونديال- ولعل ذلك يعود إلى قمع حب كرة القدم مشاعر الحنين وإرجاء ظهورها إلى حين- فقد شعرت بحنين عارم يداهمني لمعاودة الكرة في القيام بزيارة أخرى إلى هذه البلاد المترامية الأطراف وهذه المدينة الساحرة الجميلة كيفما تجولت فيها!
 خلال المونديال وبعده أجمعت وسائل الإعلام على أن جمهورية روسيا الاتحادية أبهرت العالم باستعداداتها لنجاح هذه المناسبة الكروية العالمية وسجلت نجاحا في إنهائه بالصورة المبهجة المطلوبة التي تم بها الافتتاح. مدينة موسكو لا تنقصها الشهرة أبدا، فهي مدينة التاريخ والحاضر التي تفرض علينا نفسها في كل مجال وميدان، إلا أن نجاح المونديال كان سببا لخلق شهرة جديدة لروسيا ولعاصمتها موسكو بعد سنوات من العزلة التي فرضتها الدول الغربية، فتألقت موسكو من جديد كأبهى ما يكون، وكأنها تثأر لنفسها من سلاح العزلة الإيديولوجي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية في منظومة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي السابق لما كان يشكله من تهديد على النظام الرأسمالي، وضد روسيا الاتحادية أيضا وهي في طريقها لاستعادة بعض من وميض المجد الثقافي والاجتماعي والعمراني السوفيتي.
 تساءلت بيني وبين نفسي لماذا هذا الحنين الطاغي الذي داهمني فجأة وفتح أبواب الذاكرة لتنهال منها الصور والمشاهد والمواقف بكل أنواعها، ووجدت أن ذلك مرده الانطباعات التي أوصلها إلي بعد عودتهم أصدقاء وأقارب ممن ذهبوا إلى العاصمة موسكو ومدينة سانت بطرسبورغ (ليننغراد) سابقا قاصدين حضور المباريات وأتوا محملين بكثير مما علق بوجدانهم والتقطته أعينهم وسجلته ذاكرتهم عن المكان وعن أصحاب المكان، روس وغير روس من القوميات الأخرى التي تحفل بها جمهورية روسيا الاتحادية. أفراد هذه القوميات، نساء ورجال، وعلى اختلاف انتماءاتهم العرقية يرسمون لوحة نهارية بهيجة لموسكو قلما تتكرر في أماكن أخرى بهذه السلاسة والرضا الجمعي، عندما يأتون من أماكن بعيدة عن العاصمة ليعرضوا منتوجاتهم الزراعية في أسواق تسمى «الرينك»، أو ليبحثوا عن أعمال تطفح بها المقاهي والمطاعم، والتي يترفع شباب الروس عن العمل فيها.
 هكذا هي موسكو يوقظ ذكر اسمها لدى من يعرفها الحنين والاشتياق، فيحملانك لفتح سجل الذكريات المنقوش بحروف من نور في خلايا الدماغ. هذا ما حصل لي وأنا أستمع إلى الأصدقاء والأقارب الذين عادوا من موسكو بعد انتهاء المونديال. فكنت أتفق فيما كانوا يكيلون له المديح، وأنبري شارحا بعضا من تساؤلاتهم التي لم تجب عنها مشاهداتهم العابرة. الوقت ضيق، كما قالوا، للإحاطة بما تحفل به هذه المدينة الجميلة. وهم بأحاديثهم فتحوا المجال أمامي لأترجم حنيني في سطور بعضا مما أعرف عن هذه المدينة الجميلة.
 مجموعة الأصدقاء وهي ذاهبة إلى روسيا كانت تهدف إلى حضور المباريات، ولم يكن لديها الوقت الكافي لزيارة مواقع كثيرة كان ينبغي زيارتها، ولكن على الهامش زار الأصدقاء الساحة الحمراء التي تمثل قلب موسكو، وخيرا ما فعلوا، ذلك أن من يزور موسكو ولا يزور هذه الساحة الشهيرة في التاريخ الروسي، ولم يكن لديه الوقت الكافي ليمضي وقتا في السير أمام حائط الكرملين التاريخي، ويدلف كاتدرائية سان باسيل ويتفرس في دقة المعمار والجمال الهندسي، ولم يلق نظرة سريعة على ضريح فلاديمير إيليتش لينين مؤسس الدولة السوفيتية، فكأنما لم يزر هذه المدينة الرائعة. معالم كثيرة في الساحة الحمراء وحولها. ولعل الشهير منها أيضا متحف تاريخ الدولة الذي يحتوي على شواهد ضخمة تجسد التاريخ الروسي. وكذلك المتجر المركزي للدولة (GUM) الذي ينبغي قضاء وقت بالتسوق فيه والتمتع بجمال المبنى وبلمسات السحر المعماري. فقد بنى مركز التسوق هذا في القرن السادس عشر، ولعل ذكر هذا التاريخ فحسب سبب في تفجر رائحة الإبداع الفني.
 ما تحدثت عنه غيض من فيض مما يوجد في الساحة الحمراء فحسب.. أما ما يوجد في موسكو وبالتالي في روسيا، فلا حصر له.
 من وجهة نظري، تتفوق روسيا كبلد سياحي على كثير من البلدان التي نعرفها نحن أهل الخليج، وفي اعتقادي أن على البلدان الخليجية تعزيز العلاقات مع روسيا، فروسيا لم تعد الاتحاد السوفيتي، الذي كان يخيفنا الغرب منه بسبب النهج الشيوعي الذي يتعارض جملة وتفصيلا مع النهج الرأسمالي. روسيا دولة مدنية كبرى شأنها شأن دول العالم الأخرى. وما نأمله بتعزيز عرى التعاون بين دولنا والدولة الروسية أن تسهل حكومة روسيا الاتحادية إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول (الفيزا)، لكي تنشط السياحة ويتم التبادل الثقافي. فروسيا قبلة سياحية جميلة تستحق منا الاكتشاف وإعادة الاكتشاف، ولا ننسى في هذا الإطار أن السياحة في هذا الباب عنوان من عناوين ديبلوماسية شعبية تستفيد منها البلاد بالصورة الجميلة التي ينقلها السائح البحريني عن البحرين إلى مشارق الأرض ومغاربها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا