النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

من السوسيولوجيا

رابط مختصر
العدد 10691 الثلاثاء 17 يوليو 2018 الموافق 4 ذو القعدة 1439

الزواج جمع طبيعي جميل، وهو مجمع اجتماعي تجاذبي للحب، بين الأنثى والذكر، المرأة والرجل، في ظل قانون الطبيعة وعرفها الأصيل يجتمعان، واحدة مقابل واحد، في بيت واحد يتآزران ويتعاونان، ويتكاثران بالبنات والبنين: هكذا أمر الزواج في أعلى مراتب المجتمع البشري، مرتبة الحضارة التي تدرجت ووصلت إلى موقعها العصري الجميل بعد عناء اجتماعي تاريخي طويل، من بدايات التاريخ وعلى مسار الزمن. ما كانت البدايات جميلة ولا مريحة ولا آمنة مثلما حالنا اليوم ولم تكن على مقاس معايير هذا العصر، ولم يكن الحب بعد قد ولد بأبعاده الرومانسية التي تجمع الأنثى والذكر في خصوصية أريحية والتي نعيشها ونستمتع بجماليتها الروحانية اليوم، ومن المؤلم لنفوسنا التي تقدس الحب أن نعلم أن هذا الحب ليس سرمديا، بل هو وليد التطور الاجتماعي عبر مسارات الزمن في عهود التاريخ. فقد مرت العلاقة بين المرأة والرجل بمراحل عديدة، من بدائية إلى أرقى، لم تتشكل بعد معها لا البيت ولا الأسرة ولا العشرة ولا الحب، وفي المراحل الأولى كان الطفل والطفلة لا يعرفان إلا الأم، الأم التي حملتها الطبيعة أعباء التكاثر البشري، أما الرجل فما كان يدري أنه أب، والمجتمع برمته ما كان بعد يدرك العلاقة البيو-فيسيولوجية بين الرجل والأنثى والتي نتاجها المولود، ذكرا أو أنثى. كانت الحياة قاسية والقدرة على الاستمتاع بنعم الطبيعة محدودة، وملكوت العقل وإفرازاته الفكرية كانت في مرحلة الطفولة.
بعد دراسة مستفيضة واسعة عميقة خرج العالم الأمريكي لويس مورغان المتخصص في علم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في سبعينيات القرن التاسع عشر بمعلومات حساسة ودقيقة عن طبيعة المجتمعات البشرية وكيفية تشكلها وتطورها منذ عهود ترجع إلى أعماق الماضي. وخص فصلا كاملا عن تاريخ العلاقة بين المرأة والرجل في إطار التكاثر البشري والمقتضيات اللاحقة لنمو الأسرة على مسار التطور الاجتماعي وبفعل ضرورات هذا التطور، والأسرة في بداية بداياتها غير الأسرة التي نعرفها اليوم او التي تروي عنها قصص التاريخ عن الأزمنة غير البعيدة، إن ألف سنة قبل اليوم ليس بالزمن البعيد في قياس التاريخ، وجميع قصص التاريخ، التي هي في متناول أيدينا، تروي لنا حياة الناس في هذا الزمن غير البعيد، وهو الزمن الذي يصنفه لويس مورغان بالمرحلة العليا لعهد المجتمع البربري، أي قبل المرحلة الأدنى لعهد المجتمع الحضاري... وخلاصة هذا التاريخ الذي يمتد من أعماق الماضي هي أن البشرية قبل عهدنا الحضاري قد مر بعهدين متتاليين سابقين هما عهد الهمجية وعهد البربرية، وكل عهد يمر بمراحل عامة ثلاث هي المرحلة الدنيا والوسطى والعليا، وفي كل عهد بمرحلته إقتضت ضرورات المجتمع في حينه نمطا من العلاقة بين المرأة والرجل في إطار التكاثر البشري وما يعرف اليوم بالعلاقة الزوجية، الزواج الجماعي بأنماطه المختلفة كان يلائم عهد الهمجية، والزواج الثنائي كان يلائم العهد البربري، والزواج الأحادي يلائم عهدنا الحضاري، وبين الزواج الثنائي وأحادية الزواج تتسرب في المرحلة الأعلى من البربرية سيادة الرجال على النساء ويتواصل نمط تعدد الزوجات، وهذا النمط هو أثر من الماضي البربري يتسرب إلى الحاضر الحضاري، وهو نمط شاذ في العهد الحضاري. وقد عرف العرب في مراحل ما قبل الإسلام أنماطا من الزواج قريبة من العهد الهمجي والعهد البربري، وقد حرم الدين الاسلامي معظم تلك الأنماط وأبقى على نمط تعدد الزوجات والذي يعود الى المرحلة العليا من العهد البربري، وكان المجتمع في حينه يمر بالمرحلة العليا من عهد البربرية ما قبل المرحلة الدنيا، أو المرحلة البدائية من عهد التحضر والحضارة، ولا عجب في ذلك لأن الزمن كان جمعا بين بداوة سائدة وحضرية وليدة. هذا من الجانب التاريخي ذات العلاقة بتعدد الزوجات.
العهود التاريخية من همجية إلى بربرية وإلى حاضرنا الحضاري مرتبطة بأنماط من ممارسات اجتماعية تنسجم مع العهد التاريخي، فمثلا في العهد الهمجي كان الأمر طبيعيا مع الزواج الجماعي، وفي العهد البربري في مرحلته العليا كان تعدد الزوجات أمرا طبيعيا مقبولا، فأفراد المجتمع في حينه وأفراد الأسرة الواحدة ما كانت تنفر أو تستنكر أن يكون للزوج زوجة ثانية أو ثالثة ورابعة، الزوجات والأبناء في الأسرة الواحدة كانوا يتعايشون تحت ذاك الظرف من تعدد الزوجات في إنسجام ووئام. بينما العهد الجديد، عهد الحضارة، مع التطور الاجتماعي، والثورة الصناعية، وصعود النظام الاقتصادي-السياسي الرأسمالي على أنقاض النظام الاقطاعي، ودخول المرأة مجال العمل والإنتاج بجانب الرجل خلق واقعا اجتماعيا جديدا، فقد تزامنت ثلاث ثورات في العملية التاريخية ونقلتها النوعية من البربرية إلى الحضارة ومن الاقطاعية الى الرأسمالية، وهي الثورة الصناعية والثورة الإقتصادية ـ السياسية والثورة الاجتماعية. والثورات الثلاث هي نتاج بعضها البعض، وليس نتاج تسلسلي زمني. الثورة الاجتماعية حملت معها جوانب حقوقية لم تكن معروفة في العهود السابقة، ومن أهم هذه الحقوق هي حقوق المرأة في مساواتها بحقوق الرجل، فصار للمرأة مكانة جديدة، وهذه المكانة طورت من بناء الأسرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا