النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10695 السبت 21 يوليو 2018 الموافق 8 ذو القعدة 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

دولة الرفاه

رابط مختصر
العدد 10688 السبت 14 يوليو 2018 الموافق غرة ذو القعدة 1439

لم تعدْ دولة الرفاه حلماً طوباوياً فاضلاً نائماً في الكتب المنسية التي لا يقرأها أحد، ولا هي خيال يعبر طيفه على أفلاطون أو الفارابي أوتوماس مور، بل أصبحت في عالم اليوم واقعاً ملموساً وقَائِماً في دول متعددة وإن لم تبلغ الكمال، إلا أننا حين نقارنها بأوضاع الشعوب في العالم الثالث نصاب بالذهول، ولا شئ يخفى اليوم في هذا العالم الذي يزداد تقارباً، أصبحنا نسمع ونرى حلم الرفاه القديم وقد تحول الى حقيقة، فدولة الرفاه تلقي بظلالها على بلدان متعددة في العالم اليوم، وأشجارها الباسقة راحت تعلو حتى أثمرت وحققت هدفا غاليا سعت إليه البشرية عبر قرون طويلة، بدأت منذ أربعمائة عام قبل الميلاد في اليونان القديمة.
دولة الرفاه موجودة اليوم في الدول الغربية، وستعم وتنتشر في العالم وإن طال الزمن فالبشرية تتقدم رغم العراقيل الكثيرة والنوائب والآلام. إن ما هو واقع في الغرب اليوم، هو حلم مؤجل للشرق غداً، رغم أننا نعيش بحكم ثورة الإتصالات متجاورين وأقرب من حبل الوريد. صحيح أن عدد هذه الدول  محدود، إلا أنها ستشهد نمواً وتعدداً في السنوات القادمة، فالكثير من الدول في الغرب الآن تضع هذا الهدف  نصب عينيها، فالشعوب الأخرى التي لم تحصل على امتيازات مشابهه لامتيازات دول الرفاه تتطلع الى الوصول إليها.
 وقد لاقى هذا الهدف اهتمامًا عند القليل من دول الشرق مثل دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال ودولة بروناي. لا شك أن المجتمعات في الشرق تتطلع الى هذا الهدف /‏ الحلم الرفيع عن بعد وتود الاقتراب منه ولو قليلا، فمجتمعات اليوم في مناخ الانفجار المعرفي تقارن حياتها بحياة شعوب دول الرفاه، رغم تفاوت الظروف واختلافها، وعلى الدول في الغرب والشرق ألا تخذل مواطنيها فبوسعها أن تقترب من الهدف في الغد إن لم تصل إليه اليوم إن صممت على ذلك.
في الماضي كنّا نحن العرب بعيدين عما يجري في دول الرفاه التي كانت قائمة ونحن لا نسمع عنها ولا نعرفها، لكننا الآن مع ثورة الاتصالات والانفجار المعرفي نسمع ونقرأ عما يجري في الدنمارك والسويد وفنلندا وإستراليا والنرويج وكندا ودول غربية متعددة. الدول الغربية الأخرى التي لم تصل بعد الى مستوى هذه البلدان تعيش أيضا بعض مظاهر دولة الرفاه، وليس كلها، لكن لا يعني ذلك أن هذه الدول وشعوبها لا تسعى حثيثاً الى حظيرة دول الرفاه الأرقى.
يبقى أن نعرف أن عوائقنا كثيرة في البلدان العربية للوصول الى هذا الهدف، فدولة الرفاه تنهض عبر نظام سياسي عادل ونظام اقتصادي أكثر عدالةً واستقراراً، وعلى الأغلب تعيش هذه الدول تحت مظلة نمو اقتصادي متماسك ومتطور. شعوب دول الرفاه لا تفكر في المستقبل مثلنا بعد أن أمنت على حاضرها فهذه الدول تمضي قدما الى الأمام في تحقيق هذا الهدف عبر إعطاء امتيازات أكثر لمواطنيها، فإذا كان الحاضر سعيداً عند هذه الشعوب فالمستقبل سيكون أكثر سعادة، نحن فقط شعوب العالم الثالث نخاف من المستقبل ومن الحاضر، إذ يبدو لنا المستقبل مجهولاً وغامضاً ومخيفاً، وباختصار شديد، لا مستقبل خارج دولة الرفاه. في دولة الرفاه تقدم الحكومة للمواطنين سبل ومتطلبات العيش الكريم التي تغطي كل حاجاتهم التعليمية والصحية والوظيفية والسكنية مع رعاية فائقة في مرحلة التقاعد والشيخوخة، ففي هذا العمر يحتاج الإنسان الى رعاية خاصة ومضاعفة.
في الشرق في دولة بروناي التي يعتمد دخلها على النفط والغاز تقدم الحكومة التعليم المجاني لكل المراحل مع راتب للطلبة والدارسين، كما تقدم الرعاية الصحية المجانية، ودعماً للسلع الأساسية، ودعماً للأرز التايلندي الذي يباع بسعر الإستيراد دون أرباح، ويباع  البترول في بروناي بسعر أقل من دول كثيرة، كما تقدم الحكومة سكنا أو أرضا مجانية مع قرض لبنائها بفوائد زهيدة. وفِي السويد تقدم دولة الرفاه رعاية خاصة للكبار في السن تشمل توفير المواصلات وتنظيف المنازل وتقديم الوجبات المجانية، كما تقدم الدولة راتبا شهريا لكل طفل حتى بلوغه سن السادسة عشر، أما فنلندا فلا تفرض أي مصروفات على الدراسة، كما تقدم إعانة بطالة  لكل عاجز عن العمل بين سن 17 و64، بالإضافة الى إعانات سكن ورعاية أسرة لمن أحيلوا على المعاش، كما تقدم إعانات للأيتام حتى سن 18. في دول الرفاه لا يفكر المواطن في العلاج وقت المرض، فالدولة تتكفل بعلاجه في كل الأحوال وبمستوى راقٍ ومتطور، كما لا يفكر المواطن في السكن فالدولة تتكفل بسكنه، وإن لم تستطع سيحصل على راتب إيجار شهري، والتعليم فيها مجاني في كل المراحل. لكن لا تكتمل دولة الرفاه بالامتيازات المادية الكثيرة فحسب، فالإنسان كائن روحي، له احتياجات روحية ومعنوية لا تكتمل حياته بدونها، فمع العدالة الاقتصادية، لا بد من العدالة السياسية، وهي تتشكل في المشاركة في السلطة وإتخاذ القرار، وحرية التعبير وإبداء الرأي، وحرية الصحافة، وحرية التشكيل النقابي، وحرية العمل السياسي (الأحزاب)، والحريات الشخصية، وهذه العدالة السياسية متوافرة تماماً في الدول الغربية، وهي من مرتكزات الدولة الحديثة. الضرورات المادية لا تلقي أو تقوض الضرورات المعنوية، فهمًا يكملان بعضا، فالبلابل لا تكون سعيدة في الأقفاص وإن كانت من ذهب، فما بالك بالإنسان. ودأب البلابل أن تحلق في الآفاق الفسيحة لتداعب أجنحتها الريح فتشعر بالسعادة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا