النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10762 الأربعاء 26 سبتمبر 2018 الموافق 16 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

جنون العظمة أبشع من الطاعون

رابط مختصر
العدد 10684 الثلاثاء 10 يوليو 2018 الموافق 26 شوال 1439

إن الإنسان بتطاوله على نفسه دون طائل سوى عبث الكوارث وتسلسل الكوارث إلى خاتمة الإنسان، إلى كان يا ما كان في غياهب العدم، ليس حينها من يروي ماذا كان وليست حينها آذان لتسمع ماذا كان، هذا هو حال الإنسان، كلما تقدم في العمر الحضاري كلما تمادى في فعل الكوارث في بنيانه الإنساني، والمرحلة الهمجية كانت أقل همجية، والمرحلة البربرية كانت ألطف بكثير من مرحلتنا الحضارية. كنت محتاراً من هذا الحال، أهو الجهل، وكنت أقارن الجهل بالطاعون فرأيت أن الجهل بشع، وبشاعته تتعدى حدود الطاعون، فراجعت رأيي ورأيت أني قد ظلمت الجهل بهذا الحكم القاسي، وتداركت الرأي في الجهل والحكم عليه، وخاطبت نفسي قائلاً: أيعقل أن يكون هذا الإنسان المتعلم المتحضر المبدع المخترع جاهلاً، لا... لا يمكن أن يكون جاهلاً، فالجهل قد تكون له نتائج سلبية كثيرة إلاّ أنها لا توصل البشرية إلى ما نحن فيه من حال الانزلاق إلى هاوية العدم... نعم هاوية العدم النهائي مع ما تنتجه العبقرية البشرية وتكدسه من ابتكارات أسلحة الدمار الشامل الكامل، من الذري والكيميائي والبيولوجي والهيدروجيني والكيمو-سيكولوجي والجيش المستنسخ والعقل الإلكتروني الذكي... يكفي خطأٌ تافه إلكتروني أو بشري أو خطأٌ في حسابات الفعل وردود الفعل أن ينفجر هذا المخزون الجبار الهائل من شياطين الدمار الشامل والذي عندها يفقد العقل صوابه ويختل ميزان الذكاء وتعمي الحكمة وتحل الكارثة، كارثة الانفجار العظيم المضاد، الانفجار العظيم الأول نتج عنه وجود الكون، والانفجار العظيم المضاد سينتج عنه نهاية الحياة على الكرة الأرضية، وعندها وحينها ليس من يندم أو يتحسر، وليس هناك من يروي قصة الانتحار العظيم... قبل أكثر من سبعمائة عام قال الشاعر سعدي: «حتى لو كانت عندك قوة فيل أو زئير أسد... فالسلام أفضل من لهيب الحرب»، وخزينة المعرفة والحكمة مكدسة بهذه النصائح العظيمة، ولكنه الإنسان، هذا الإنسان الذي يتباهى بذكائه وعبقريته ويأبى الأخذ بنصائح الحكمة. يتمازج ذكاؤه وعبقريته مع نفسه المغرورة إلى منتج سلوكي مجنون، وهذا الجنون هو في جوهره تَأْلِيْهٌ للذات، وهو الذي يُعْرَفُ بجنون العظمة، إن جنون العظمة جرثومة دفينة في كل نَفْسٍ بشرية، وهي حالة تتعاظم مع تنامي وتطور المنتج العبقري عند الإنسان، وهذه ليست كلمات من نسج الخيال، بل مرآة عاكسة لتنامي القوة مع العبقرية عند الإنسان، والرسم البياني من ابتكار الخنجر والسيف إلى البندقية والبارود وإلى اليوم الشاهد على آخر إنجازات الدمار الشامل الكامل، إلى هذا اليوم الذي بضغط زر يستطيع أي جاهل أن يبيد الملايين من الناس، النتيجة البيانية تفيد بأن مخاطر الفناء البشري تتناسب طرديًا مع التطور العلمي والتكنولوجي تحت سقف التقدم الحضاري.
 مع حالة الفوضى الكارثية التي تعيشها الشعوب، وضمنها شعوبنا العربية والإسلامية، بينما الدول الديمقراطية الكبرى والتي هي في خارطة الحضارة أرقى، وعلى رأسها أمريكا، تَتَنَمَّرُ على شعوب العالم، واندفاع هذه الدول الكبرى في موجات من الحروب على دول تسميها مارقة وتعمل على إخضاعها بسيف الحرب أو بحصار التجويع، والمؤامرات التي تتشكل في أنماط من الثورات (برتقالية وخضراء وربيع وخريف) وهي تنال الأصدقاء والحلفاء، وما ينتج عنها من كوارث إنسانية، قتلى بعشرات الألوف وجرحى ومشردون بمئات الألوف وأزمات المهاجرين بالملايين إلى أوروبا وإلى الدول المجاورة، فإن العالم يعيش، رغم تطوره العلمي العظيم، أسوأ حالاته المعيشية عبر التاريخ والتي تتسم بالكارثية بكل أبعادها الإنسانية والبيئية والعمرانية، وكأن هذا الإنسان يرسم وينفذ مخططًا شيطانيًا يستهدف نفسه دون وعي ولا إدراك، فالعالم يعيش حالة من الجنون السائد، جنون إبادة الذات للذات وبفعل الذات، فالانسان بهذه الطبيعة الذاتية يكشف عن ذات مجنونة. وقد صدق الفيلسوف البريطاني برتراند راسل عندما أصدر كتابه المعبر عن طبيعة الذهنية البشرية بعنوان «عالمنا المجنون»، واستقرأ في هذا الكتاب سيناريوهات متعددة، أندرها من فعل الطبيعية وأعظمها من فعل البشر، ينتج عنها الانفجار الكبير، ليس لخلق كوني جديد، ولكن لموت جديد تتسم بالعدم الكامل، وهو إبادة بشرية لا رجعة بعدها. وهذه الدول الكبرى، بشرقها وغربها، تعيش حالة التنافس فيما بينها، وحال التنافس هذه هي الأخطر في معادلة الانفجار العظيم المضاد...
إن مؤشرات الأحداث بعد الثورة الفرنسية الكبرى وبروز القوة العظمى متمثلة في قارة جديدة (سماها غزاة القارة أمريكا) نهضت على أنقاض إبادة بشرية لسكان حَكَمَ الفارقُ الحضاري عليهم بالإبادة، تشير إلى أن العالم يعيش ويستمر في العيش في حالة من توالي الكوارث والفضائع المفجعة، فإن الأحداث لا تحمل الخَيْرَ والأمن والأمان للبشرية منذ تلك الثورة التي غيرت المسار البشري من نمط اقتصادي وسياسي قديم إلى نمط جديد، من إقطاعية إلى رأسمالية، وذاك النهوض لقوة جديدة وعلى نمط جديد تتلبس الإمبراطورية الرومانية بنهجها العسكرتاري وسياسة القطب الأوحد واقتصاد يعتمد وضع اليد على جميع الموارد الطبيعية في العالم، وإدارة شؤون شعوب العالم على هوى مصالحها الذاتية، ومع تطور علمي وتكنولوجي رهن الاحتكار لصالح القطب الأوحد وصالح الفلك الأوروبي الذي يحوم حول هذا القطب الأوحد المتسلط على العلم والبيئة والثروة، أي المتسلط على أسباب الحياة، وشعوب العالم الثالث والخامس تعيش أفلاكها الخاصة ولا تدري تحوم حول ماذا، ولكنها تعيش في حالة من أنماط الفوضى، وخاصة شرقنا العربي الاسلامي الذي يعيش بذاته في صراعه التاريخي العبثي، صراع تستثمره كل القوى الكبرى وبعضاً من متوسطي القوة والقدرة.
التاريخ، هذا المرجع العظيم وهو سيد المراجع وهو مرجعنا في كل وادٍ من أودية البحث عن المعرفة، ينبؤنا بماضي الزمان وما يحمله من أخبار وعبر، ومن الأخبار المؤلمة إلى درجات الفجيعة التي ينبؤنا بها التاريخ هي تلك النوائب على البشر والتي تطحنه طحناً وكأنه أوراق الخريف على الأرض تدوسه الأقدام، أقدام الحيوان والبشر، وتمحي تلك الفجائع من البشر الكثير الذي يتخطى حدود النصف من سكانه أو أكثر. اعتاد الناس عبر المحن أن تتدرج مخاوفهم وهواجسهم من أنواع المحن، ومن أعلى درجات المحن التي يفزع منها البشر هو «الموت الأسود»، هو الطاعون الذي يحصد البشر حصدًا من على سطح الأرض، هو ذاك المرض الخفي الذي يضرب جموع الإنسان ويحصد منها جمعاً هائلاً في ضربة واحدة، وتتوالى الضربات إلى فترة من الزمان إلى أن يتبقى بعض من الناس يدفنون موتاهم ويلملمون ما تبقى لهم من بعض أشيائهم، ويستجمعون قواهم لمتابعة مسيرة الحياة، وصور التفجع بالطاعون حية تثقل نفوسهم، ولكن لا بد من إلقاء تلك الفجيعة إلى الخلف والتقدم بالعمل إلى الأمام... تلك هي آثار ونتائج الطاعون الذي يطل على الأرض بغيمة سوداء هو الموت الأسود. في القرن الرابع عشر الميلادي قتل الطاعون من البشر في أوروبا وآسيا أكثر من مائة مليون إنسان، وهذا العدد يساوي حدود رُبْعَ سكان الكرة الأرضية في ذاك القرن.
قياساً بذاك الطاعون الطبيعي الذي دام عدداً من السنين وأباد ربع البشر، فإن الطاعون الحضاري الذي هو من صنع البشر كفيل وقادر ومقتدر على أن يبيد الجنس البشري بالكامل بلمح البصر، وفي أقل من يوم و قل على كامل الإنسان السلام. وهذا هو طاعون الجنون الإنساني، جنون العظمة، جنون تَأَلُّهَ الذات، هذا الجنون الذي هو بمثابة الطلاق البائن بين العبقرية والحكمة، وخارطة طريق من الوجود إلى العدم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا