النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

اعقلها فتوكل وأحسن اختيار بطانتك

رابط مختصر
العدد 10681 السبت 7 يوليو 2018 الموافق 23 شوال 1439

تحدثنا مرارًا عن بطانة السوء وسلوكياتها المقيتة حيال أي مجتمع، فلا تقدم لأي شعب في العالم طالما كان حاكمه لا يقرب منه سوى سيئ الخلق والمنافقين والطالحين، والنتيجة الفورية لهذا يكون انتشار المحسوبية والفساد والرشاوى وتفشي الأمراض الأخلاقية.. لماذا؟.. لأن بطانة السوء هذه لا يهمها سوى نفسها وأسرها لأنها تغلب المصلحة الخاصة على العامة، لتتسيد المادة على الروح، ويغيب العقل والدين لتنقلب أمور أي مجتمع أو دولة ما رأساً على عقب، وللأسف لا تهتم هذه الفئة سوى بمصالحها فقط حتى لو مات الشعب بأكمله أو ضاع حقه في الحياة. ومن علامات بطانة السوء أو حاشية السوء أو ما يسمونه أحياناً «الجدار العازل للرئيس»، ولعهم بنفاق الرئيس وإظهار ما لا يبطنون وأكل المال الحرام وتعطيل مصالح الشعب وعرقلة تنفيذ أصحاب الحاجات.
 في إحدى الدول التي عانت كثيرًا من آثار ما يسمونه «الربيع العربي» اكتشف الشعب أن المسؤول الكبير الذي كان أول وآخر من يلتقيه الرئيس في يومه وقبل مغادرته مقر الرئاسة، كان على رأس الفاسدين، ومفاجأة الشعب أن هذا المسؤول طالما طالب بمحاربة الفساد في البلاد وضرورة تقديم الفاسدين والمرتشين للمحاكمة لنيل جزائهم العادل ديناً وعرفاً. وكشفت تحقيقات الجهات الأمنية والنيابية العديدة مدى تربح هذا المسؤول بصورة أذهبت عقل الشعب، حيث بلغت حجم أمواله في البنوك المحلية والمهربة مليارات الدولارات. المصيبة أن هذا المسؤول وهو أقرب إنسان لقلب وعقل الرئيس كان ينادي دوماً بالشفافية في إدارة شؤون البلاد كسبيل لتقدمها ونهضتها لتكون مثل سائر الأمم المتحضرة والمتقدمة. ولم يكن هذا المسؤول المقرب للرئيس الذي اكتشف الشعب فساده وتلاعبه بالقوانين والأحكام والأنظمة، فكل البطانة تقريباً كانت فاسدة وتلاعبت بمقدرات وخيرات الشعب الفقير وتلاعبت بالرئيس الذي اعتبرها عينه وأذنه.
 والمشكلة أن بطانة السوء تجيد كما ذكرت التلاعب، حيث تحفظها عن ظهر قلب وتتحايل عليها، ولكنها تجهل تماماً العمل من أجل مصلحة الشعب، فهم ينجحون بدرجة امتياز في التحايل والتلاعب في حين يجهلون مصلحة شعوبهم والتقدم بهم.. والبطانة مثل الغشاوة التي يعاني منها الإنسان عندما يضعف بصره مع إن المشكلة أكبر لأن المصاب غالباً ما يتعالج ويرتدي نظارة طبية تعوضه الجزء المفقود في الرؤية، في حين أن غشاوة البطانة لا يستطيع الرئيس أن يعالجها لأنهم يستولون على تفكيره وعقله وكل كيانه ويحجبونه عن مصالح شعبه ومشكلاتهم الحقيقية ويصورون له حياتهم كأنها الفردوس وأنه ليس في الإمكان أكثر مما كان. فمن حجب الحقائق ونقل صور كاذبة بدلاً من الواقع المؤلم، ومن الكذب والنفاق والتخريب بدلاً من تصحيح الأخطاء وتصويبها، ومن الأنانية المفرطة الى قتل ما دونهم وتدميرهم، نجد بطانة السوء لا يرحمون وشعارهم الأهم «أنا ومن بعدي الطوفان»، ويكون ظاهرهم الرحمة والصدق والإيثار والوطنية رغم ما يخزنون في باطنهم من أحقاد وضغائن وقسوة وكذب ونفاق وشر، فهم مثل الحية ناعمة الملمس ولكن سمها قاتل.
 ويحضرني في هذا المقام أكثر من قصة عن بطانة السوء، منها الرئيس الذي سار في مدينته ليلاً واكتشف أنها مظلمة تماماً ولا يوجد بها أي إضاءة، فخصص مبلغاً ضخماً لإضاءة المدينة للتخفيف عن رعيته والتخفيف عن تحركاتهم ليلاً، وأمر المسؤول بتنفيذ القرار والاستفادة من المبلغ المخصص لهذا في الميزانية، فما كان من ذلك المسؤول سوى أن استقطع نصف الميزانية المخصصة لإنجاز المهمة ليأمر الوزير المسؤول بإضاءة المدينة بالمبلغ المتبقي، حتى نجد الوزير يأمر مرؤوسه بتنفيذ التوصيات بنصف ما تلقاه، وهكذا تمر المسألة حتى يذهب صغار العاملين بقطاع الكهرباء ليبلغوا السكان أمراً بضرورة المساهمة في تنفيذ إضاءة المدينة وإقامة شبكة الكهرباء على نفقتهم الخاصة حسب توصية الرئيس، ليعلم بأمر بطانته الفاسدة ليقيلها فورًا ويعاقبها أشد العقاب وليتخفف من وزرهم وحماقتهم وجرائمهم في حق رعاياه.
 وأمامنا قصة الرئيس الحاقد على شعبه الفقير، فقرر أن يهبهم أموالاً مسممة، بحيث يموت مسمومًا كل ما يتعامل بها، ليكتشف بعد فترة بسيطة أن المسؤول عنده هو أول من مات مسموماً ثم يليه بقية كبار المسؤولين وهلم جرا.. فهؤلاء طمعوا في الأموال المسمومة التي تبرع بها الرئيس الحاقد وهم لا يعلمون نيته الخبيثة ليتخلص من الفقراء ليكون هؤلاء الفاسدون هم ضحايا خطته الدنيئة وليكتشف مدى كذبهم ونفاقهم.
 ويُحكى عن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين أن ابنته دخلت عليه تبكي في أول أيام العيد وكانت طفلة صغيرة آنذاك فسألها: ماذا يبكيك. فردت: كل الأطفال يرتدون ثياباً جديدة وأنا ابنة أمير المؤمنين ارتدي ثوباً قديماً!. فتأثر والدها الأمير لبكائها وذهب الى خازن بيت المال وسأله: أتأذن لي أن أصرف راتبي عن الشهر المقبل؟ فقال له الخازن: ولم يا أمير المؤمنين؟. فحكى له حاجة ابنته، فقال الخازن: أوافق ولكن بشرط، فسأله عمر بن عبد العزيز عن هذا الشرط؟ فقال له الخازن: أن تضمن لي أن تبقى حياً حتى الشهر المقبل لتعمل بالأجر الذي تريد صرف راتبه مسبقاً. فتركه عمر وعاد ليسأله أبناءه: ماذا فعلت يا أبانا؟ فقال: أتصبرون وندخل الجنة معاً.. أم لا تصبرون ويدخل أبوكم النار؟.. فقال الأبناء: نصبر يا أبانا. ليكون مغزى حكاية عمر بن العزيز حفيد الفاروق عمر بن الخطاب، أن المجتمع السوي يجب أن يمتلك الثلاثة معاً «خازن بيت المال والخليفة عمر بن عبد العزيز وأبناء عمر».
 ومن قصة ابنة الخليفة عمر بن عبد العزيز، الى توجيهاته لمستشاره وكان أحد العلماء بالمدينة وقال له: «راقبني فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت».. وذات يوم والإمام الحسن البصري جالس عند والي البصرة، أن جاء للوالي توجيه من يزيد يغضب الله عز وجل، فإن نفذه أغضب الله، وإن لم ينفذه أغضب يزيد وربما عزله.. فقال الوالي للإمام البصرى ماذا أفعل؟ فرد عليه ناصحاً: اعلم أن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
ولعل جل المبتغى من بطانة أي رئيس أن يكون أفرادها مثل الأبطال الذين قرروا أن ينذروا أنفسهم في سبيل رضى المولى عز وجل وتكون غاياتهم المثلى نيل محبته ولا يعيرون للدنيا أهمية فهم طلاب آخرة وفردوس، ويكون نبراسهم في الحياة جعل الشعب يعيش في رفاهية ونعيم، وألا تشكل لديهم الأموال والبنوك أي قيمة فلا يقبلون عليها ويكنزونها. وتتجسد قيمة البطانة الصالحة في قيمتهم الفكرية الراقية وروحهم الواثبة لفعل الخير وتساميهم على القيم الدنيوية والتمسك بأهدافهم النبيلة وفرض أفكارهم الصالحة على من يعملون بجانبه ويتخذهم مستشارين له، فهم على يقين تام بأن الحياة فانية والآخرة باقية، ولهذا نراهم وقد نذروا أنفسهم لخدمة شعوبهم، ويرفعون شعار «جمع ووحد ولا تفرق» ووسيلتهم في عملهم تحقيق الهدف وهو «نحن نعمل من أجل الشعب وليس من اجل مصالحنا نحن»، وتكون سعادتهم في سعيهم ليكونوا مفيدين ومثمرين للمجتمع وتقدمه ورقيه.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر) آل عمران..
 كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا