النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

هل تغيّر حال المثقف العربي؟

رابط مختصر
العدد 10668 الأحد 24 يونيو 2018 الموافق 10 شوال 1439

إن الإجابة بنعم عن هذا السؤال، تفيد بأن حال المثقف العربي لم تتغير وظل -أي المثقف- في التبعية نفسها، مع فارق أن هوية التابع له هي التي تغيرت. ومن ثم، فإن المهم ليس السلطة التي يخضع لها المثقف ويعلن لها المثقف موالاته خطابا أو ممارسة أو الاثنين معا، بل المشكلة الرئيسة تكمن في حالة التبعية ذاتها لأي سلطة مهما كانت هويتها وآيديولوجيتها باعتبار أن مسألة الخضوع لسلطة رجل السياسة أو رجل الإسلام السياسي الممثل في وجه من وجوهه لرجل الدين، تعني بكل وضوح أن مأزق المثقف العربي المستمر إزاء السلطة السياسية أو السلطة السياسية الدينية عند صورة صعود حركات الإسلام السياسي، هو نفسه.

ومن ثم، فإن ميكانزمات علاقة المثقف مع السلطة بلفت النظر عن مضمونها هي الميكانزمات نفسها المنتجة لمحددات علاقات القوة والمحددة للتابع والمتبوع وللمتن والهامش.

من هذا المنطلق، فإن المشكلة ليست في رجل السياسة أو رجل الدين أو رجل الاقتصاد بل في عقلية النخبة العربية الثقافية نفسها وتركيبتها النفسية السلوكية. فهي عقلية لم تؤمن بعمق، بكونها سلطة بل وسلطة قوية وفاعلة بفكرها وطروحاتها ودفاعها المستميت عما يجب أن يكون.

إننا أمام التنازل نفسه عن العقل والحكمة ونقد العقل لذاته.

وإذا كان المثقف العربي في السابق قد استفاد من خصومة رجل السياسة ورجل الدين وهيمنة الأول على الثاني وقطع أشواطا في مجال العلمنة والتحديث، فإن صعود حركات الإسلام السياسي لا يمثل عاملا إيجابيا مساعدا، سواء بالنسبة إلى الحفاظ على المنجز التحديثي أو تطويره ومراكمته.

في الحقيقة إن الانتقال من تبعية السلطة السياسية الديكتاتورية ومساندتها أو الصمت عن تجاوزاتها إلى تبعية السلطة السياسية الدينية التي تمثل الدوغمائية ولجم العقل في حركته النقدية التساؤلية، يعني أن المثقف لم يغادر منطقة الهامش.

والمؤسف أن قلة قليلة من استوعبت أكثر دروس ما سمي الثورات العربية أهمية وعمقا، الدرس الذي ينص على القطع مع تبعية أنواع السلطة كافة.

من المهم أن نتذكر أن سلطة المثقف أقوى من كل السلطات لكونها لا ترتبط بآليات الفعل السياسي من مراوغة وبراغماتية وتوظيف ومصلحية وآنية. فسلطة المثقف تدافع عن القيمة والفكرة والحق، لذلك شبه المثقف الحق بضمير الأمة.

قبل بداية الألفية الجديدة يمكن القول إن المثقف العربي كان مكبلا وسجين واقع حرياتي منعه من الاضطلاع بدوره الطليعي، سواء على طريقة أنطونيو غرامشي صاحب مفهوم المثقف العضوي أو بناء على طروحات فكرية أخرى تستند إلى أنموذج مثالي للمثقف مخصوص جدا.

إذن هذا السؤال يقوم على فرضية مفادها أن المثقف العربي لم يقم بدوره، ومن ثم، فإن رصيده النضالي كان أقل من المأمول بل إن البعض يعتبر تقاعس المثقف العربي عن القيام بدوره من الأسباب الرئيسة لحالة التخلف السياسي والقيمي والتنموي الذي وصلت إليه البلدان العربية والإسلامية.

إن مثل هذا التشخيص لصورة المثقف العربي بشكل عام دون أن نهضم طبعا حق المثقفين الحقيقيين -وهو التشخيص الذي يستنبطه السؤال المطروح- يقودنا من جهة أخرى إلى الاستنتاج بأن ما يحصل في السنوات الأخيرة من تململات ومن ظواهر عنيفة على رأسها الإرهاب إنما يمثل في حد ذاته إدانة صريحة للمثقف العربي، خصوصا أن أشكال الاحتجاجات المختلفة والمتعددة الموجودة اليوم في مجتمعاتنا هي بإمضاء فئات عمرية واقتصادية مهمشة تعاني من إكراهات ثقافية واقتصادية في المقام الأول.

لذلك فإن الأشكال المختلفة للاحتجاج الاجتماعي والمباشر منها وغير المباشر أدانت المثقف العربي وحملته من الأوزار الحقيقية والمبالغ فيها الشيء الكثير، فهي على المستوى النظري أسهم المهمشون في تحرير المثقف.

إن واقع المثقف العربي اليوم لا يخلو من عقبات، وهو واقع مازالت تتحكم فيه العقلية المناهضة للحرية والموضوعية. فما حصل في السنوات الأخيرة من احتجاجات وما تمت تسميته حقا أو باطلا ثورات ليست عملية تطهير سحري بقدر ما هي حدث تاريخي فاصل وحاسم يساعد الأمم الجادة والعميقة على تحقيق نقلة مهمة في سياقها القيمي والثقافي.

لقد آن الأوان كي يكون المثقف العربي مصدر الحرية وحارسها وممارسها. ومن حق كل مثقف أن يراجع مواقفه وقناعاته وأن يبدأ من جديد. فالأحداث التي عرفها العالم العربي والإسلامي تشكل منعرجا فعليا ورمزيا يمنح كل المجتمعات العربية فرصة إعادة الصياغة والبناء القيمي الرمزي من جديد.

لذلك فإن المثقف العربي مطالب بالتحرر الذاتي قبل كل شيء، وهو ما سيمنحه طاقة وقوة للبناء والمحو من أجل كتابة جديدة للإنسان العربي.

 

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا