النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10790 الأربعاء 24 أكتوبر 2018 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

وهنا كان لازم نتدخّل

رابط مختصر
العدد 10664 الأربعاء 20 يونيو 2018 الموافق 6 شوال 1439

لطالما تشوّف المشاهد العربي على امتداد السنة إلى البرامج التلفزيونية في شهر رمضان، ولطالما اشتاقت ذائقته الفنية إلى البسمة والتفاؤل. لكن للأسف لا تزال بعض المنتوجات التلفزيونية العربية العامّة والخاصّة تُخيّب آمال مشاهديها في رمضان. وما زاد الطين بلّة في السنوات الثلاث الأخيرة تحوّل البرامج الفكاهية إلى برامج رعب حقيقية. وهنا كان لازم نتدخّل بوصفنا مستهلكين لهذا الإنتاج أوّلا، ومن جهة كوننا إعلاميين نشعر بوطأة مثل هذه البرامج على الذائقة العامة ثانيا.

 وِ«هِنا كان لازم نتدخّل» عبارة أَلِفها المشاهد العربي في شهر رمضان من خلال برنامج (الصدمة) الذي تبثّه قناة mbc وهو برنامج يقوم على مفاجأة المشاهد بمواقف إنسانية غريبة لكنها مرتبطة بفكرة واحدة تتكرّر في كل حلقة.. وعلى امتداد شهر كامل.. وفي أكثر من دولة عربية.. وللعام الثالث على التوالي.. وهي فكرة إهانة شخصية اجتماعية رمزيّة مثل الأم أو الأب أو الجدّ أو الطفل أو المعوق أو الغريب أو العامل بالمطعم أو الزوجة... لنرى كيف يتفاعل الناس مع مثل هذه التصرّفات الشاذة التي لا تستحقّ أن يخصّص لها برنامج أصلا، لا أن يتكرر للعام الثالث على التوالي.

 و«هنا كان لازم نتدخل» هذه العبارة الشهيرة التي يقطع بها مقدّم البرنامج ومن ورائه المخرج ردّة فعل المواطن العادي على الموقف التمثيلي المتصنّع، نستعيرها اليوم منه بكلّ لُطف لنقول له: «وَهُنا كان لازم نتدخّل» نحن ناقدين لا مستهلكين فقط، فمثل هذه المشاهد التي تتكرّر فيها إهانة هؤلاء الرموز الاجتماعية تُعطي انطباعا خاطئا بأن هذا السلوك الاجتماعي الذي يتكرر يوميا في التلفزيون التي هي مرآة المجتمع كما يقال، منتشرٌ في المجتمع العربي الإسلامي بشكل واسع، وهو ما يعطي أيضا انطباعا سلبيا لدى عموم المشاهدين عن هذا المجتمع. 

 «وَهُنا كان لازم نتدخّل» لنؤكّد أنّ قيمنا العربية الإسلامية التي تربّينا عليها تنأى بالمواطن العربي مهما تدهورت أخلاقه أن يُهين أمّه أو أباه أمام الملأ أو أن يُهين شخصا دونه بذلك الأسلوب المُبتذل الذي ظهر في بعض حلقات برنامج الصدمة، وإنّما ما يقع من مثل هذه المواقف في المجتمع هي حالات شاذة فردية معزولة لا ترقى إلى أن تصبح ظاهرة اجتماعية تفرد لها البرامج لمواسم متتالية. 

 و«هنا كان لازم نتدخّل» ولسبب آخر؛ فإنْ قيل إنّ الغاية من هذا المشهد التمثيليّ المتصنّع إثارة حفيظة المواطن العربي وقياس مدى نخوته وغيرته على القيم، ومن ثَمَّ تذكير الناس بها وعطف القلوب عليها، نقول إنّك في سبيل هذه الغاية التي هي في الواقع حقيقة مفروغ منها، قد ابتذلت صورة الأم أو الأب أو غيرها من الرموز الاجتماعية في شهر عظيم يتسابق فيه الأبناء والناس عموما لفعل الخيرات، لا سيما مع الوالدين وكبار السن والمعوقين وكلّ الحالات الاجتماعيّة الّتي تحتاج مُساعدة، وحتّى إن صدر من بعض النّاس سلوك مشين مثل هذا فكما قُلنا يبقى شاذّا ولا يُقاس عليه.

 وأمّا عن تصوير ردّة فعل المواطن إزاء ما يراه من مواقف غريبة، ففي الأغلب تصل إلى حدّ العنف اللفظي والجسدي؛ نظرا إلى نخوة هذا المتدخل وسفالة بطل الموقف التمثيلي، ما يضطر الأوّل إلى الاعتداء على الثاني، وهو ما يضاعف سوداوية النظرة التي يخرج بها المتفرّج: مجتمع يُهين رموزه الاجتماعية ولا يعالج الأخطاء إلا بالعنف!! أهكذا نحن؟ ألهذا الحدّ ساءت صورتنا؟ 

 و«هنا كان لازم نتدخّل» عبارة تُعلن موعد تدخّل المخرج لإيقاف الفوضى والعنف والإعلان عن نهاية الدراما لتنفرِج قليلا أساريرُ المواطن المغدور به في موقف مُصطنع، فهل حدّثنا المُخرج عن حقيقة مآلات هذه المواقف كلّها؟ هل أنّها قد انتهت بهذه البساطة؟ أم أنّ الكواليس تُخفي ما هو أعظم؟؟ وهل من المعقول أن يتمّ استرخاص دموع الناس الذين تأثروا ببعض المواقف ليقول لهم المخرج انتهى الموقف.. امسحوا دموعكم.. خلصنا تمثيل.

 هُنا يجب أن نتدخّل ونطالب بإيقاف مثل هذه البرامج المستنسخة من نظيراتها بالقنوات الأجنبية، والتفكير في ابتكار برامج تقدّم صورا مشرفة وناجحة يتربّى عليها الأطفال ويقتدي بها الشباب، برامج تصوّر المواقف الجميلة في ابتسامة وفكاهة دونما رعب أو تخويف أو سبّ أو تعنيف، نحن في أمسّ الحاجة إلى ابتسامة وسط هذا الكمّ الهائل من الرداءة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا