النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

يخرج الحب مع الطفل من رحم الأم

رابط مختصر
العدد 10663 الثلاثاء 19 يونيو 2018 الموافق 5 شوال 1439

المرأة هي العنصر الأضعف مقابل القوة الجسدية في ثنائية (وحدة البيولوجيا) الذكر والأنثى، وذلك بفعل سلطة البيولوجيا التي جعلت من المرأة كياناً جسدياً ناعماً لطيفاً جميلاً، فاقتضت هذه الصفات الرقيقة التجرد من البناء العضلي وسمات القوة الفيزيائية، وهذا الاقتضاء كان ضرورة طبيعية في معادلة وحدة البيولوجيا. ولكن الإنسان بعد تخطيه العتبة الأخيرة في النظام الاجتماعي للحياة البسيطة المشاعة والموارد الشحيحة المشاعة، حيث كان الإنسان لا يملك شيئاً سوى نفسه، تغير الحال وتطور، ومع هذا التطور وضع الانسان  أقدامه على العتبة الأولى لنظام اجتماعي مناقض للنظام الماضي البسيط، فكان بداية عهد الملكية والتملك. ومن ضرورات هذا النمط الاجتماعي من الملكية هو القدرة الجسدية في الأساس وشيء من الدهاء الذهني، ولكن القوة العضلية هي الأساس. 

الذكر هو صاحب العضل ونتاجه من القوة الجسدية والقدرة على تحقيق رغبات التملك، ومن نكد البيولوجيا على الأنثى أنها تحولت كذلك، من موقع رقة ونعومة بنيانها الجسدي، إلى شيء من الأشياء في قائمة التملك، فصارت ملكاً للرجل السيد، لا زوجة ولا شريكة في الحياة، يطيب له أن يستمتع بها غريزياً ويستغلها كيفما شاء. فمع هذا التحول من نظام اجتماعي بسيط إلى نظام اجتماعي أرقى تاريخياً كان نصيب المرأة منه الاضطهاد والاستغلال، فأصابتها لوثة العبودية وهي في كنف الرجل السيد، وأصبح الرجل صاحب القوة الجسدية والأقل دهاء تحت رحمة صاحب الرجل السيد صاحب القوة والدهاء. قبل هذا التحول التطوري، الذي هو في حكم الحتمية التاريخية حسب المنظور الماركسي - ومادام قد حصل فهو في الواقع في حكم الحتمي - كان حال المرأة بجانب الرجل كذلك اكثر قساوة بفعل قانون البيولوجيا. المرأة كانت أمّاً واعية لأموميتها للطفل الذي خرج من باطن رحمها، وكان المجتمع البسيط في حينه يعي أنها أم وأن الطفل أو الأطفال الذين تحت حمايتها ورعايتها هم جزء أساسي منها، بينما الرجل ما كان يعي أنه أب لأحد أولئك الأطفال، وما كان الانسان حينه قد ارتقى سلم المعرفة ليعرف العلاقة الفيسيولوجية بين الرجل والمرأة ونتاجها من التكاثر البشري، فكان مجتمع المرأة الأم والرجل اللا أب، فكانت المرأة تحمل مسؤولية نفسها وكامل أركان مسؤولية طفلها، فالأعباء عليها كانت مضاعفة قياساً بالرجل، فكان وعي الرجل يترسخ في الذات الأنانية ولذاته دون غيره، بينما وعي المرأة ينمو وبجانبها طفل تحبه وترعاه وتحميه، فكان وعياً ممزوجاً بذات الأنا وذات الطفل، كان وعياً مثقلاً بالمسؤولية وسامياً بالحب، وما كان هذا في لُبِّ الوعي عند الرجل. بعد حين من تجاذب الذكر مع الأنثي، في لقاء خلوي، بفعل الغريزة لإرواء الرغبة الجنسية وتلبية معادلة الطبيعة للتكاثر البشري، يتم ذاك التلاقح الحتمي المُدِرِّ للجنس البشري، كل الذي كانت تعيه المرأة هو أنها تتفاجأ بنمو شيء في أحشائها، وأن هذا الشيء يكبر ويكبر وينتفخ مع هذا الكبر بطنها إلى أن تأتي لحظة المخاض والألم وخروج الطفل، وفي ذاك العهد كان نسبة وفاة الطفل عالياً وفي أحيان كثيرة كانت الأم تذهب ضحية الولادة، ولكن عندما كانت الولادة سليمة، الأم سليمة والطفل سليم، تحتضن المرأة بحنان دون وعي ذاك الزائر الصغير الملطخ بسائل لزج وهو يصرخ، لا بكاءً ولكن ارتعاباً من هذا الفضاء الواسع بعد خروجه من بيته الصغير الآمن - بيت تشكل فيه وترعرع وكبر وكان يأتيه الغذاء من حيث لا يدري، ينام ويصحو ويحرك أطرافه ويتحرك وما كان في حاجة إلى أن يسمع او يرى أو يتذوق وما كان بعد في عالم النور ولا الظلمة رغم الظلام في الرحم، فكان له نوره الخاص وظلامه الخاص، وما كان عالمه يعرف الخوف ولا الهلع ولا القلق، كان في عالم المجرد، وكان الطفل بفعل الغريزة لا الوعي - إن للغريزة وعيها الطبيعي الخاص- وهو بالكاد يسمع ولا يرى يتحسس جسماً ضخماً يحتضنه (جسم الأم) بحثاً عن ثديها وتعي الأم بغريزتها حاجة الطفل في هذا المسعى فتقرب ثديها لشفتي الزائر الصغير وابتسامة الحنان تزين وجهها وكأنها صباح يوم جميل جديد، فيمسك الطفل الثدي بيديه ويتحسس بشفتيه موضع الحلمة في الثدي، وما أن تتحسس الشفتان بروز الحلمة في رأس الثدي تلتهم الحلمة وتبدأ في المص، وعندها يكون الطفل قد وصل الى موطن الغذاء وحقق مبتغاه، فكانت هذه هي اللحظة الأولى التي تولدت عندها ثمرة الحب. مع كل هذا المشهد الدرامي الطبيعي، حيث كانت المرأة تعيش ألم المخاض واسترخاء أوصال الجسد بعد خروج الطفل وإطلاق آهات الراحة واحتضان القادم من رحلة الولادة وإرضاعه من غذاء غذائها، وأجواء الحنان والحب، كان الرجل شاهداً لا يشعر بشيء ولا يعرف ما الذي يجري، واعتادت المرأة في لحظة المخاض أن تختلي بنفسها في مكان قصي حتى لا تكون مسرحاً للمشاهدين، تكمل مهمتها الطبيعية في غفلة من الناس وبعيداً عن فضولهم الجارح، لا خوفاً منهم ولكن استجابة لغريزة الخصوصية التي يقتضيها هذا الحدث الكبير، الحدث الذي يجمع بين الألم والاسترخاء والراحة والحب، وهي من أجمل لحظات الحياة بالنسبة للمرأة، لحظات حرمتها الطبيعة على الرجل وخَصَّها للمرأة دون الرجل ...  

إن الطبيعة قد أوكلت إلى المرأة مهمات إنسانية محورية، فهي الرحم حيث الحمل والنمو والولادة والتكاثر، وهي الرحمة حيث النبع والحضن لمشاعر الحب والحنان، فهذه العملية التوليدية في مساكن الرحم هي التي يتولد منها الحب بكل ما يحمل من خير وفضيلة وسمو ورقي، وهي التي وهبت الروح الإنسانية للطبيعة البشرية... إن هذا الحب، أعظم فضيلة في الحياة، هو ثمرة من ثمار رحم المرأة ... إن ثمرة الحب تخرج مع الطفل من رحم الأم ...

لكن رغم كل هذه الفضائل التي تختص بها المرأة، وهي صاحبة الرحم ونبع الرحمة، مازالت تئن تحت وطأة التمييز والاضطهاد، الإضطهاد بأنواعه، اضطهاد جنسي، كونها أنثى، واضطهاد إجتماعي وديني، ومع التطور التاريخي للمجتمعات الى المرحلة الرأسمالية ومشاركة المرأة وظيفياً في العملية الإنتاجية بجانب الرجل، زاد على كاهلها اضطهاد من نمط إجتماعي-إنتاجي جديد، هو الاضطهاد الطبقي. وهذا الاضطهاد الطبقي يجمعها والرجل المنتج تحت سقف واحد، ولعل هذا الجمع بينهما هو المرحلة الحاسمة لتحررها من الاضطهاد بأنماطه المتعددة...     

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا