النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10690 الإثنين 16 يوليو 2018 الموافق 3 ذو القعدة 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

فن تسويق الأوهام

الطهر الأيديولوجي أم الواقعية السياسية؟

رابط مختصر
العدد 10662 الاثنين 18 يونيو 2018 الموافق 4 شوال 1439

يبدو أن موضوع العلاقة بين تيارات الإسلام السياسي وبعض قوى اليسار ما يزال يثير عددًا من القراء المتابعين، بين داعم لمثل هذا التحالف ومعارض له، ولكل أسبابه وحججه. وفي هذا السياق وردني عدد من التعليقات، اخترت منها تعليقين، اعتبارًا لأهميتهما ولعدم الحاجة إلى نشر أفكار ورؤى مكررة سبق عرضها:

 

التعليق الأول: الطهر الأيديولوجي

«شخصيًا احترم اليساريين الذين اختاروا مقاطعة تيارات الإسلام السياسي، ورفضوا التعامل معهم سياسيًا؛ وفضلوا أن يعلنوا بمبدئية أطروحاتهم الفكرية والسياسية غير قابلة للتعايش مع أطروحات الإسلام السياسي وأحزابه وطوائفه المختلفة، بالرغم من أن هذا الموقف المبدئي قد كلفهم في أغلب الأحيان في العزلة عن الناس، وأوقعهم في نوع من السلبية السياسية غير المفيدة. 

ولكن هذا الموقف المبدئي (الذي يجلس أصحابه وسط النقاء الأيديولوجي اليساري حفاظًا على نظافة النصوص ونقاوة المبادئ) هو موقف غير سياسي وغير اقعي، بل هو مثالي في نهاية المطاف بحسابات الواقع وبحاسبات السياسة، لأنه يقوم على تفضيل المبدئية الأيديولوجية على الواقعية السياسية، في حين أن العالم لم يعد يبني مواقفه على أساس هذه المبدئية المثالية، وإنما على أساس المصلحة السياسية بالدرجة الأولى. وإذا كان هذا صحيحًا بالنسبة للعلاقات بين الدول، فهو صحيح أيضًا بالنسبة للعلاقات بين الأحزاب والتيارات السياسية. ومن هنا أرى أن الأطروحات الأيديولوجية ليست بديلًا عن الواقعية السياسية التي تقتضي مراجعات فكرية وحتى سياسية ضرورية، وقد تقتضي -مثلما حدث في الواقع- مواقف وتحالفات قد تبدو غريبة أو غير مبدئية كما أشرت في أكثر من مقال لك، ولكنها في النهاية ضرورية من وجهة نظري. وبالرغم من كوني أنتمي فكريًا إلى اليسار، فإني أرى أن جماعات الإسلام السياسي بالرغم مما يقال عنها، قد ظلت وباستمرار في مقدمة القوى المؤثرة في الشارع، وتحظى بشعبية كبيرة، وأن معارضيهم لم ينجحوا في التفوق عليهم في صناديق الاقتراع في أية منازلة انتخابية في أي بلد عربي أو غير عربي. بما يعني أن الحاضنة الشعبية تؤمن لهم الأصوات اللازمة في أي اختبار انتخابي. وهذه الحقيقة التي لا تعجب التيارات المعادية لهم تحتم على القوى الأخرى (علمانية ليبرالية - يسارية - قومية) أن تتعامل معهم كقوة موجودة في الواقع، لأن نفيها أو تجاهلها ليس من الحكمة في أي عمل سياسي حقيقي». (انتهى التعليق الأول).

 

التعليق الثاني: الواقع أم الوهم؟

وفي ذات السياق وردني تعقيب من أحد الأصدقاء الأكاديميين، يستكمل الصورة، يقول فيه: «جميل تداولكم الرأي والرأي المقابل في أطروحة الراهن العراقي المأزوم بإعادة إنتاج محاصصات الاحتلال، وحكم تضارب مصالح الإقليم على بلد الرافدين، وسطوة قسوة حكم تجربة البعث وما أفرزه السقوط التراجيدي لمشروع الدولة القهرية، وفق حسابات المشروع الصهيوني الأمريكي الغربي لأهداف استغل فيها بريق الطموحات العراقية المشروعة نحو الحرية والرفاه، وفي إعادة بناء عراق جديد الملامح. فلا عجب أن ترتقي في أتون إدارة الطائفية فيه انتهازية التحالفات، بما فيها تلك التي أشرت إليها في مقالك عن تحالف الشيوعيين العراقيين مع الصدريين. وهي تحالفات تتضمن مفارقات غريبة ولكنها ليست أغرب من الواقع نفسه، الممزق بين ادعاءات الليبرالية، ومسوح الانتصار وأحلام البروليتاريا ودولة الحق الإلهي، وهي جميعها أضغاث أحلام في الطريق إلى الشعار الطوباوي: «وطن حر وشعب سعيد».

ومع ذلك فإنني مع أن يجرب العراقيون طبخ تناقض أطروحاتهم واختبار ادعاءات وطينيتهم. رغم اتفاقي معك في قراءتنا للمآلات. بعد أن اختبر العراقيون على مدى 14 عامًا كل عناوين الزيف فاختنقوا بنتن الفساد وبالمنافقين، والمسوخ المسيرة الأهواء إقليميًا ودوليًا. ولذلك فإن الذي حكم العراق بعد 2003م، متسلقًا ظهر دبابة المحتل لا يمكن أن تتوقع منه شيئًا كثيرًا لصالح العراق وشعبه. فالطائفيون اليوم هم الذين يتسيدون المشهد، (دينيون ويساريون وقوميون..) ولكنهم مجرد نسخ لمرض الطائفية. التي أصبحت من مسوغات التحالفات الكاذبة على حساب قداسة الوطنية ومبادئ الأمة. وإذا حاولنا أن نعكس هذا الأمر على واقعنا المحلي -بالرغم من صعوبة المقارنة لاختلاف السياق- فإن التحالف الذي حدث في البحرين قد قام منذ البداية على معادلة انتهازية، حيث وجدنا عددًا من النخب اليسارية تنافق اللحظة، فتأكل على مائدة الإسلاميين تحت مسمى التعايش الديمقراطي، بناء على معادلة بأن هذا التيار أغلبي وقادر على اكتساح الساحة السياسية، ولكننا رأينا بأن تيار الإسلام السياسي قد شارك في الانتخابات ولكنه لم تكتسح، كما أن أوهام التحالف معه كانت مجرد فقاعة انهتها انتخابات 2010 عندما أبت الجماعة الدينية أن ينجح أحد من حلفائها من اليسار في دائرة شبه مضمونة، لأنه (شيوعي) وليس من الفئة المؤمنة..!!» (انتهى التعليق الثاني).

والحقيقة أنني لا أكاد أجد ما أضيفه على جاء في التعليقين، إلا تدقيقيين يتعلقان بالحالة المحلية:

- الأول: هو أن أزمة «تيار» القوى المصنفة ديمقراطية تقدمية، ناجمة عن عجز في قراءة الواقع واستخلاص الدروس من التاريخ، مما أوقعه في أخطاء قاتلة، تتجاوز العجز المعتاد عن التأثير في حركة الواقع، وعدم القدرة على استقطاب الجمهور، إلى «التحالف مع النقيض الأيديولوجي» تحالفًا لا يخدم حركة التقدم بالمعنى التاريخي، خاصة بالنسبة لقضية العدالة والديمقراطية والحرية، لان هذا النقيض يعلن صراحة -قولًا وفعلًا- إنه غير معني بالمسألة الديمقراطية بمعناها الحقيقي، وبدولة المؤسسات والقانون ولا بالمجتمع المدني ولا بالحريات العامة والخاصة في سياقها المطلوب يساريًا على الاقل، حيث برهنت هذه القوى أنها انعزالية وضيقة الأفق، وطائفية في فكرها وممارساتها، فهي لا تأتمر بما يرشد إليه منطق السياسة وشروط العمل الديمقراطي، وإنما تأتمر بمرجعياتها المصنفة فوق القانون والدستور والعقل.

- والثاني: أن الجمعيات السياسية مدارس فكرية، وبرامج تتجاوز البحث عن الجدوى المباشرة لتأسيس نماذج ليست بالضرورة شعبية، فالحزب الفاعل لا يكون بالضرورة شعبيًا، فعندما يتعلق الأمر بالمطالبة بإصلاح جوهري يضمن مستقبل الأجيال الصاعدة، فإن هذه المطالبة قد تقود حزبًا من الأحزاب إلى انحصار شعبيته والشجاعة في أن يقوى هذا الحزب على الإصداع بالحقيقة التي لا شعبية لها في الشارع، حتى وان كلفه الأمر خسارة سياسية، لكن هذه الصورة تحتاج بالضرورة إلى قيادات شجاعة قادرة على فتح أفق المستقبل بعيدًا عن إغراء الشـعبوية، بكــل ما تحملـه من ترويـج وتسـويق للأوهام. والتاريـخ السياسـي يزخر بمثل هذه النماذج..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا