النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الوظيفة العامة مرآة عاكسة للدولة (3 - 3)

رابط مختصر
العدد 10659 الجمعة 15 يونيو 2018 الموافق غرة شوال 1439

العبوس والتجهم:

من علامات العبوس أن تجد تعابير الوجه متجهم، وتجده أثناء تعبيره تتقلّص عضلات وجهه بشكل لا إرادي، وهذا يدل على وجود كآبة داخلية، فالعبوس في وجه الآخرين واهمالهم يظهر الموظف العام بمظهر منفر ومكدر ملامحه بشكل عام ويسبب الأذى النفسي للمراجعين، ويعمل على تنافر القلوب، هذا عندما يحمل الموظف همومه إلى العمل، لا شك ان ذلك سينعكس سلباً على سلوكه وتعامله مع المراجعين، وهذا السلوك يعزز الخضوع للمزاج السلبي الذي ينعكس على تصرفاته في التعامل مع اصحاب المصالح.

كذلك هناك بعض الموظفين الذين لا يعرفون الابتسامة خلال العمل، وترى بعضهم مقطب الجبين، ويدعو للاستغراب من موظف عام تجبر وتجهم وفقد الابتسامة، انه سلوك مريض لا يمكن فرضه على المراجعين، لأن ما ينبع من داخله يعبر عن مرض الغرور وهي حالة مرضية تعتري الانسان بسبب النظرة الدونية للآخرين، أو الموقع الاجتماعي، أو المستوى العلمي، وتلك الظاهرة المرضية هي من أخطر ما يصيب الانسان، ويقوده الى التهور، فكم يكون للغرور عند الموظف او المسؤول من آثار سلبية في التعامل مع الآخرين باستهتار مستغلاً حاجة الناس لإذلالهم، ويتعالى عليهم عندما يرى نفسه في وضع وظيفي يمكنه الاستخفاف بالمراجعين، وهي احدى المشاكل الكبرى في السلوك الوظيفي، تقع مسؤولية علاجها على عاتق الخدمة المدنية، من خلال البرامج التثقيفية ألأخلاقية والتربوية، التي تجنبهم مخاطر الاستعلاء على الآخرين، اضافة للضوابط القانونية الرادعة، لكل من يتسبب في اهانة المراجع او المواطن صاحب الحاجة، ويمكن العمل به كجزء من التقييم الدوري لأداء الموظف.

إن الدراسة التي أجرتها جامعة هارفارد، توصلت إلى أن التظاهر بالسعادة في العمل لا يسعد فقط المحيطين بل يسعد الجميع، وتبين أن كبت الغضب وغيرها من المشاعر السلبية تؤدي إلى مستوى متدن من الرضا الوظيفي ويولد مزيداً من ردود ألأفعال السلبية، وتشير بعض الدراسات إلى أن الابتسامة تحرك عند المراجعين احساس بالود والراحة، فيما يحرك العبوس أو التجهم مشاعر السخط وعدم الرضى، والتبسم يتطلب مجهودا أقل في انجاز المعاملات، والابتسامة هي سلوك في مقدور أي إنسان اكتسابها بسهولة، فالابتسامة سبب ايجابي لنقل المشاعر والأحاسيس، حيث تبين أنه «يمكن للإنسان أن يتعرف على تعبيرات الابتسام والاندهاش في وجه إنسان آخر بسهولة من خلال الأحاسيس المتبادلة، مما يشير إلى قوة تأثير الابتسامة على السلوك الإنساني، وتأثيرها في المحيط الإجتماعي واهميتها في السلوك الوظيفي.

هناك الابتسامة الزائفة الا أنها تنكشف بسهولة، إذ يقول أستاذ علم النفس بجامعة كوينز في بلفاست بأيرلندا الشمالية الدكتور رودي كاوي إنه عندما يبتسم الإنسان فإن بعض عضلات الوجه تنقبض فيؤدي ذلك إلى قصر المسافة بين الحنجرة والشفتين فيتغير الصوت فيميزها الدماغ البشري، وبشكل عام كلما كانت الابتسامة طبيعية وغير مصطنعة صار وقعها على الآخرين أكبر، بل وتدخل إلى قلوبهم من غير استئذان. 

إن الموظفين يختلفون عن عامة الناس من حيث عبوس الوجه، فهناك من الناس من تعود على عبوس الوجه حتى يكاد لا تعتريه مشاعر الود ولا تجده مبتسماً ومن الموظفين من تراه إلا وهو مبتسم مع أنه قد يكون مهموماً. والابسامة صدقة عند المسلمين بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم «تبسمك في وجه أخيك صدقة». 

العبوس والرجولة:

تعتقد بعض المجتمعات العربية بأن العبوس من مظاهر الرجولة، ويربى الإنسان منذ طفولته التربية السيئة، مسخت وافسدت معنى الرجولة، حتى صار العبوس والتجهم سبباً تربويا فلقد فهموا، ومارسوا الرجولة على أنَّها العبوس حتى ولو اجتمعت كل أسباب ودواعي الفرح، فـالإنسان لا تَظْهَر فيه معاني الرجولة إلاَّ إذا أظْهَر كل ما يستطيع إظهاره من عبوس، وكَبَتَ كل ما يستطيع كبته من مشاعر الفرح والسعادة، فكلَّما أمعنتَ في وجوههم العبوس والكشرة المتجهمة.. عَرَف الناس فيكَ «الرجولة»، واعترفوا لكَ بها، هذه اعتقادات بعض تلك المجتمعات العربية التي تتلمسها منذ دخولك مطاراتها حتى تصل لمقصدك، خلالها يراودك شعور بالندم على تلك الزيارة فأنت سائح خائف متردد ومغبون من تلك الوجوه العبسة التي يعتقد أن التجهم يجعله شخصاً مهابا، ولا يدرك العواقب من وراء تجهمه، ولا يدرك أن الناس ينفرون منه ويفرون منه فرارا، ومن يحيط به هم له كارهون، ولكن ربما هم مضطرون إلى ذلك، وينتظرون اللحظة التي تخلصهم منه، فيجد نفسه مهجوراً منبوذاً، ومن أجمل الكلمات الدالة على هذه النماذج للمتنبي: (وتصغر في عين العظيم العظائم.... وتعظم في عين الصغير الصغائر)، دائماً ما يكون في العبوس والمتكبر والمغرور نقص في شخصيه وعدم ثقه في النفس ولذلك فهو يعبر عن هذا النقص بهذه التصرفات من تجهم وعبوس، من ترك الكبر ولزم التواضع كمل خلقه وعلآ قدره وتناهى فضله، قال صلى الله عليه وسلم فيما روي في الصحيح «ومن تواضع لله رفعه»، أعظم العظماء كانوا متواضعين، وهذا محمد رسول الله هدأ على رجل من شدة اضطرابه عندما قابله لأول مرة وجهاً لوجه، وقال له بما معناه: هوّن عليك فما أنا سوى ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة. 

عمر بن عبد العزيز عندما طلب منه أصحابه ألا يتعب نفسه في ايقاد السراج، قال لهم: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، لم ينقص مني شيئاً. المسيح عليه السلام كان في قمة التواضع، فلماذا انت لا تتواضع وتبتسم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا