النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10786 السبت 20 أكتوبر 2018 الموافق 11 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    3:39AM
  • المغرب
    5:06AM
  • العشاء
    6:36AM

كتاب الايام

في حزيران ما يزال ينبت النوار... عيون امرأة، أو قبر في المنفى

رابط مختصر
العدد 10657 الأربعاء 13 يونيو 2018 الموافق 28 رمضان 1439

الوجه الأول:

أكثر من خمسة عقود مضت على حزيران الهزيمة، ومع ذلك ما يزال يعود كعهدي به، ينمو بين عروق الجدران وحتى في قاع الاسفلت الأسيان، وفي الشوارع الدائخة الغارقة في الدخان. ورغم مرارة المعنى، وألم الهزيمة، فإن النخل ما يزال قائما في الشوارع والمزارع لا يموت والقمح ما يزال ينمو في أعقاب الشتاء، والنوار ما يزال - رغم سنوات القحط-ينبت في الأرجاء.

في ذلك اليوم، كان عبدالله طفلاً عربيًا لم يتجاوز العشر سنوات: قلم رصاص ودفتر وحذاء جندي قديم يجره عبر الطريق الصخري. كان طفلاً عربيًا ليس في حاجة للعودة الى البيت، يقف على حائط منهار أكلته شمس حزيران، يجوب الطرقات بحثًا عن شارع الحرية بعيون تائهة، فلا يعثر على العنوان. كان يمشي بألف قدم، ويدور حول المكان لا يدري إلى اين يتجه، وصدى تلك الانشودة العربية المنتقشة في الذاكرة الغضة: «بلاد العرب أوطاني».

في ذلك اليوم، كان عليه أن يجتاز الامتحان، وصل المدرسة فجرا، وكان الامتحان سهلا كشربة ماء بالنسبة لعقل مطاطي لعين. ومع ذلك قيل له مساء لقد سقطت، لقد فشلت.

وفي طريق العودة إلى البيت عبر ثنايا الطريق الصخري، كان خائفا مخنوقا، وكان حزيران يرتعش. و«الطائر الحزين راجع من خرائب الطوفان ومن أنقاض الطين، يرفرف حيران»: ماذا سيقول؟

وعندما وصل الى البيت لم يكلم أحدا، لم يسأله أحد عن نتيجة الامتحان، لا أحد مهتم به أو بامتحانه. الجميع كان يتابع أخبار تذاع عبر أثير الراديو... فبادرهم بالكلام مهزومًا حزينًا: «لم انجح في الامتحان»..

خاله فقط رد عليه، بلا مبالاة، وكأنه لم يسمع إعلان السقوط: «ما الفائدة، لقد انهزمنا أمام وانتهى الأمر. إنهم يكذبون علينا». ولأول مرة يرى خاله ينخرط في البكاء كطفل صغير.

يوم انهزم جيش العرب كان جده قد قارب السبعين، يعد الحفر لغراسة أشجار التين والزيتون، ويحلم بأن يستريح من الكدح الذي لا ينتهي. يحلم بيوم واحد من راحة الجسد والبال، يبحث عن لحظة جلوس لالتقاط الانفاس. وفي اليوم التالي في ظلال حزيران، غادر الجد بهدوء وكفى. لم يحتمل المزيد. كنا صغارا، نحلم بالأنواء، وكان يخيفنا حزيران يخيفنا، ويكبت فينا محبة الأرض وعشق الماء. كان المذياع الأصفر يرهقنا بالوعظ والكذب والأناشيد. واليوم، وبعد خمسة عقود على الرحيل لا أحد يضع على ثرى الجد الراحل زهورا برية.

 

الوجه الثاني من الشريط:

اليوم يعود حزيران، ولا جندي على الحدود، والثرى ينتظر الزهور البرية، والطفل العربي لم يجتز الامتحان بعد، لم يستحم في النهر مرتين، والحيطان ما تزال تحبسه وتخنق الروح والشوق، والمنافذ لا تفتح سوى الأفق الذي لا يأتي أبدا في الفجر أو في أواخر النهار.

يسافر حزيران كل سنة ولا يعود إلا حزينا يذكر بالهزيمة والوحل، ومع ذلك عندما يرحل حزيران المهزوم بنا، يطل يوليو، وتطول معه أذرعتنا رغم المرارة، وينمو الرفض في الأعماق والشوق لأن الشوق لا يموت أبدا. 

مع يوليو نكبر ويكبر المعنى في قلوبنا، وتتعرى اللغة من بلاغتها الزائفة، ونكتشف أن التاريخ كان كذبة أخرى من أكاذيبنا التي لا تنتهي.

في يوليو تشرق شمس العرب، رغم الانكسار، ورغم الخنق والاختناق، وتلد الأرض رغم الجفاف، وينمو الطلع، ويغسل النور عيون الناس في الحقول والشوارع والمدارس، وعند ضفاف الأنهار وفي السواحل والجبال والصحارى، وفي مفترق الطرقات. وتنمو عروق الأشجار في الصخر. والتاريخ المثقل بالأوهام، لم نعد نخشاه ولا نصدقه، ولم نعد نستجدي على أبوابه الحكمة والقبول والرضى.

 

الوجه الثالث:

ما جدوى البحث في تفاهة الكلمات عن معنى قد يكون في النهاية تافها، ما دامت الحقيقة وكل حقيقة موثوق بها هي دائما حقيقة مؤقتة؟ ومادام الخطاب اصبح يتحدث عن انهيار الأيدولوجيا ومغادرة اللغة مكامنها، وموت الخطاب في جهة اللامعنى...وموت اللغة التي تحتاج إلى قاموس يفتحها.. وموت الكينونة التي عوضت الفواصل في الكلام، كما في الكتابة والقراءة؟ وموت المثنى الذي نفي من الاستعمال، مؤنثا ومذكرا، وموت العدد والمعدود والتقعر بكافة اشكاله والوانه، والذي لم يعد له مكان سوى في القواميس النائمة في تلك النواحي البعيدة الغارقة في الصمت... موت المقال الذي يتعين عليك كتابته في صيغة نشيد جهادي أو مارش عسكري... موت الأفكار التي لا تقول شيئا غير أنها تقول كلاما... موت المقالات التي لا تزعج أحدا ولا تقلق أحدا ولا تهز مشاعر ولا عقلا ولا تقترح فكرة ولا تناقش رأيا. المقالات التي لا نقرأها إلا من باب الاطمئنان على أصحابها وعلى الحالة التي يعيشونها منذ سنوات من دون ملل ومن دون شعور بالقرف، وهو أمر مدهش في ذاته ويستحق الإعجاب خاصة في هذا العالم الخانق بالصراعات وانتشار الكراهية والحقد. ولا شك ان القارئ لا يقرأ لهؤلاء ليتعلم أو لينتفع أو حتى ليستمتعَ بما يكتبون، وإنما يقرأ فقط ليزداد إعجابا بهذه القدرة الفائقة على ممارسة فعل الغيبوبة، عن طريق الإبحار في عالم (الغيبوبة) الجارف، في الوقت الذي تقوم فيه الدنيا ولا تقعد وتنهض الثورات وتنفجر الحروب، وتتفكك دول وتنشأ أخرى وهؤلاء غارقون في (الوهم)، خارج إطاري الزمان والمكان، من خلال مقالات متصالحة مع نفسها ومع أصحابها، تقول: «كل شيء تمام، وأن لا جديد تحت الشمس». 

 

همس

في ثنايا البوح،

والكلمات مُشرعةٌ، 

رهنَ الرّيحِ والورد.

والصَّمتُ يحملُهُ.

الشوقِ ينوءُ بالشوق، 

فيقتلنا..

يا دربَ رحلتنا،

خذني قصيدة إلى الصمت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا