النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

التحالف الشيوعي الصدري

رابط مختصر
العدد 10656 الثلاثاء 12 يونيو 2018 الموافق 27 رمضان 1439

إن الساحة السياسية العربية، الساحة التي تلعب فيها الأحزاب والحركات (لعبة الوطن والمصالح الوطنية!) وليس ساحات الحكم، هي أشبه بمسرحية سوريالية، تعرض على الناس عجائب أشبه بالأحجيات والألغاز، وتلملم التناقضات وتعج بها في سلة السياسة، وتنتهي المسرحية بفصل يتراءى على السطح هزليا هزيلا، لا طعم ولا نكهة، اللهم إلا قرف في قرف وهزل في هزل، والنتائج من كارثة إلى كارثة، والنافذة المطلة على النور مازالت مغلقة، هذه هي مظاهر مسرحية التحالف الشيوعي الصدري الذي يحمل الكثير من التناقضات الثقافية والمخالفات الفكرية والمبررات السياسية، تحالف الأضداد (ليس وحدة الأضداد)، السياق مختلف بين صحة «وحدة الأضداد» في الديالكتيك، ووعكة «تحالف الأضداد» في السياسة، وهذا ينقلنا إلى الأفق النظري الأساس في موضوع هذا التحالف، وهو العلاقة الجدلية بين الفكر والسياسة، وبين الإثنين (الفكر والسياسة) معا ومقتضيات الواقع الملح ومنظار الرؤية إلى المستقبل... العلاقة بين المنظومة الفكرية التي يستند عليها حزب ماركسي والسياسة المنسجمة مع هذا الفكر في دهاليز متعرجة في المعترك السياسي، بعضها شبه مضيئة وبعضها بالكامل مظلمة، تضع أصحاب القرار أمام خيارات صعبة في حاجة الى مبادرات نوعية وخطوات جريئة، وهي أمام مفترق طرق، المسئولية الوطنية تفرض نفسها على أصحاب القرار باتخاذ القرار لأن الوطن مريض يتألم، في سباق مع الزمن. القرارات السياسية التي تنطلق عند مفترق الطرق لا تحظى بالإجماع من قبل القاعدة الشعبية الواسعة وحتى القاعدة الحزبية الضيقة، وقد تكون القرارات أتخذت، وهذا هو المرجح، في أجواء من التصارع الداخلي بين أصحاب القرار قبل ميلان قوى الحجة والمحاججة إلى القبول بقرار (قد يكون على مضض)، وهكذا فإن قرارا من هذا النوع، مبني على خيارات متناقضة، يكون امام امتحان صعب، لا يمكن التكهن بنتائجه، فصحة القرار محكوم بالنتيجة، تلك النتيجة التي ارتسمت مسبقا في ذهن أصحاب القرار، نتيجة يصعب التكهن بطبيعتها، هل سيمضي التحالف على خطى التحالف الى هدف وطني مشترك يرضي الجميع ويكون نقطة انطلاقة إلى مزيد من التقدم (هذا هو الرجاء)، أم أن التحالف سيتعثر، وفي عثرته يفتح بابا من التعارك غير المتوازن بين الحلفاء (ميزان القوى في أية معركة ليست في صالح الشيوعي) على المدى المنظور.

تحالف من هذا القبيل تتعدد فيه الرؤى، فهناك من يرى أن هذا التحالف هو نتاج تراكمات نوعية، تراكمات ابتدأت من نقطة الإستقلال وسلسلة الحكومات المستبدة والحروب العبثية إلى الغزو الامريكي وتبعاته الكارثية، وهذه رؤية متفائلة وتستند إلى قوانين الحركة، الفعل ورد الفعل، وعلاقة التحول الكمي الى النوعي في منهجية الجدل، وهي ترى أنه لا تراجع أمام نتائج تفاعلات هذه القوانين الوضعية، وهذا يعني التحول النوعي الكبير في الثقافة السياسية، وهو القبول المتبادل بين القوى السياسية في الساحة الوطنية، على أساس إفرازات سياسية مشتركة من منابع فكرية مختلفة وحتى متناقضة، وهذه حالة سياسية تتميز بها المؤسسات المدنية والسياسية في أوروبا وأمريكا واليابان والهند. وهذا يعني كذلك أن القوى السياسية المتناقضة أيدولوجيا قد أصابها الإرهاق وهي تسعى إلى الاستفراد بالسلطة، فاقتنعت بأن لا سبيل لبناء الوطن وتقدمه إلا من خلال القبول المتبادل على ساحة الوطن ومن خلال العمل السياسي المشترك... شخصيا أرى أن هذه الرؤية تستند إلى وقائع موضوعية فرضت نفسها على أرض الواقع، وأنه لا سبيل إلى إغفالها أو التغاضي عنها، وأن مرض الوطن قد وصل ذاك المدى الذي يقتضي علاجا عاجلا، ولا علاج إلا بالعمل المشترك بين القوى المختلفة التي تمثل الطبقات الاجتماعية المنتجة، والبرجوازية الوطنية التي تشارك تلك القوى أهدافها الوطنية. 

الرؤية النقيضة هي تلك التى تشخص أنظارها دوما إلى الوراء، وهي مشدودة إلى الوراء بفعل عوامل عدة، منها عدم القدرة على التحرر من الإرتباط الأيدولوجي بالخارج، وعلى رأس تلك العوامل المصالح الذاتية، ولكن من أهم العوامل المؤثرة تلك التي لا تستطيع أن تستوعب طبيعة المستجدات ومقتضيات التجديد والتجدد، ومن الحجج التي يسوقها أصحاب الرؤية المتشائمة النقيضة، هي كيف يمكن الجمع بين نقيضين؟ 

تحالف العلماني الماركسي ذات المرجعية العلمية مع الطائفي المذهبي الديني ذات المرجعية الغيبية... تحالف بين متحرك وجامد في عالم الفكر... تحالف بين فكر متجدد وفكر مجمد في ثلاجة الإرث... تحالف بين طائفة تنظر إلى الوراء وتتجه إليه وبين حراك ينظر إلى الأمام ويتجه إليه... تحالف بين من يعمل من أجل الجنة في غياهب الغيب وبين من يعمل لتحويل الحياة الدنيا جنة الإنسان على الأرض... تحالف بين من يهاب من الفكر وبين من يتودد إلى الفكر...

تحالف لا يستقيم، وطريق التحالف فيها للشيوعي الكثير من العوج والمطبات والأشواك والأهوال، وسيكون مصير هذا الشيوعي هو مصير إخوته في ايران بعد ثورة ولاية الفقيه... في إيران سلم الشيوعي مطمئنا زمام القيادة لقوة دينية مذهبية، وتحالف مع هذه القوة بقوة ضد حكم كان أقرب إلى العلمانية، حيث المسافة بين الشيوعي والشاه كان أقصر بكثير من المسافة الفاصلة بين الشيوعي والخميني، رغم أن قصر المسافة تلك لم تشفع للشيوعي، إلا أن تلك المسافة كانت قابلة للتناقص مع الزمن وما يحمل من تطورات، بينما المسافة الكبيرة بين العلماني والديني في تباعد بطبيعة التناقض بين الجبهتين، عندما تتحرك جبهة الطائفية إلى الوراء وتتحرك جبهة التقدمية إلى الأمام، فإن المحصلة الرياضية تفيد أن المسافة بينهما في تباعد مطرد لا سبيل إلى التلاقي بينهما بالمطلق... هكذا تحالف يثير من أول وهلة الحيرة وعدم التصديق، وتتحول الحيرة إلى تساؤلات، وعدم التصديق إلى العجب بعد التأكد من صدق الحدث الهول !!! ليس هناك من ساحة لهكذا تحالف إلا في ساحة السياسة... ساحة السياسة هي الميدان، ميدان صراع.

رؤية أخرى خارج السياق المباشر ترى أن السياسة بطبيعتها كذب وأضاليل وهي في جملتها خزي وعار، وترى أن التحالف بمصداقية في السياسة خرافة، والعاطفة في السياسة خرافة مضحكة، والحكمة في السياسة أقرب إلى النادرة، المصلحة الأنانية هي سيدة السياسة، لأن السياسة هي سقف السلطة... والسياسة هي تلك الحالة التفاعلية التي بمقدورها تصوير العذراء عاهرة، وتمجيد العاهرة على أنها عذراء... والسياسة عابثة بالحقائق، تجعل من الأكاذيب حقائق دامغة، ومن الحقائق أكاذيب مضحكة... ففي دين السياسة كل الموبقات حلال، ورحم الله المفكر الايطالي الكبير ميكياڤيللي الذي لطف الفكرة عندما قال ان الغاية تبرر الوسيلة، المعنى مطابق بالكامل، ولكن للكلمات وقع نفسي مغاير ونكهة تأملية مختلفة.

هذه ثلاث رؤى، ولكل رؤية منظارها، ولكن أيها أقرب إلى الواقعية وتفاعل وقائعها، وأكثر جدوى بالعمل والتأثير؟ الرؤية الثالثة خارج السياق أصلا، فهي رؤية لا قيمة لها، بينما الرؤية المتشائمة هي تكريس لمنهج «مكانك راوح»، وهذا النهج يبقي على واقع الحال بكل علاته وأمراضه، وليس له أفق في التغيير والتجديد، هذا يبقينا مع الرؤية المتفائلة، وهي ملازمة للواقع رغم تناقضات الواقع، وهي جريئة أمام المخاطر المحدقة والأشواك الكثيرة المبعثرة على مسار العمل الوطني المشترك، وهي خطوة حكيمة من الجهتين، الجهة العلمانية والجهة الغيبية، لخوض معترك مصيري مشترك.

أما نتائج هذا التحالف، مهما كانت قاسية، لا يمكن أن تكون أقسى من حالة التناحر الدائم على ساحة الوطن.

سؤال ملح نختتم به هذا المقال: هل هذا التحالف هو نتيجة لأزمة يعيشها الشيوعي، أزمة حضور، ذاك الحضور المؤثر؟ فيسعى من خلال هذا التحالف سد ثغرة الأزمة.

سؤال وجيه، ولكنه يختزل الوقائع التاريخية والسياسية وفعلها التراكمي في التحولات المستجدة وطبيعة القرارات في فكرة مجردة. الواقع هو أن الشيوعي لا يعيش أزمة حضور، فلو كان الحضور الشيوعي مأزوما لما كان التحالف، فالتحالف يعني أن لكل أطراف التحالف وزنه وتأثيره المعترف به من قبل الأطراف الأخرى في التحالف رغم تفاوت موازين القوى بينها. 

إذا فالتحالف الشيوعي الصدري ضرورة موضوعية فرضتها طبيعة الواقع المستجد والوقائع الجارية على الأرض والمرحلة التاريخية التي تعيشها العراق... إنه خطوة نوعية إلى الأمام...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا